قال : فجعل الأصمعيّ يعجب منهما ويستحسنهما ، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضّلهما . قال : وكان السبب في تولّي إسحاق خازم بن خزيمة بن خازم أن مناظرة جرت بينه وبين ابن جامع « 1 » بحضرة الرشيد فتغالظا ، فقال له ابن جامع : يا من إذا قلت له : يا ابن الزانية ، لم أخف أن أن يكذّبني أحد . فمضى إلى خازم بن خزيمة ، فتولّاه وانتمى إليه فقبل ذلك منه ، وقال هذين البيتين .
« 2 » وحدث ابن حمدون أيضا قال : سمعت الواثق يقول : ما غناني إسحاق قط إلّا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي ، ولا سمعته يغنّي غناء لابن سريج « 3 » إلّا ظننت أن ابن سريج قد نشر ، وإنّه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا ، فيتقدّمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت ، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته تقدّم ينقص . وإن إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ أحد بمثلها ولو أنّ العمر والشباب والنّشاط ممّا يشترى لاشتريتهنّ له بشطر ملكي .
« 4 » وحدث عليّ بن يحيى « 5 » المنجم قال : سأل إسحاق الموصليّ المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة ، لا مع المغنّين ، فإذا أراد الغناء غنّاه ، فأجابه إلى ذلك . ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدّخول مع الفقهاء ، فأذن له .
« 6 » ولمّا أراد الفضل بن يحيى « 7 » الخروج إلى خراسان ودّعه إسحاق الموصليّ ثم أنشده « 8 » : ( تام المتقارب )
فراقك مثل فراق الحياة * وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاء * أفارق منك وكم من كرم
هامش
( 1 ) هو إسماعيل بن جامع من المغنين المنافسين لإسحاق الموصلي في الغناء ، اتصل بالرشيد فحظي عنده ( - 192 ه ) .
تاريخ الطبري 8 / 226 ، 227 والأغاني 6 / 289 - 340 والأعلام 1 / 311 .
( 2 ) الأغاني 5 / 285 والخبر في شرح المقامات 1 / 214 .
( 3 ) هو عبيد الله بن سريج من أشهر المغنين في صدر الإسلام ( - 98 ه ) الأغاني 1 / 248 - 323 والأعلام 4 / 194 .
( 4 ) من الأغاني 5 / 286 بتصرف والخبر في معجم الأدباء 6 / 9 والوافي 6 / 9 والوافي بالوفيات 8 / 389 .
( 5 ) ج د : يحيى بن علي ، وهو غلط والتصحيح من أب ش والأغاني .
( 6 ) من الأغاني 5 / 301 - 302 بتصرف .
( 7 ) سبقت ترجمته في الصفحة 198 الحاشية 4 .
( 8 ) البيتان في ديوانه 233 - 234 وعيون الأخبار 3 / 32 والعقد الفريد 5 / 413 والأغاني 5 / 302 والمنتحل 235 .