ومن شرف الفرزدق وعلوّ همّته ، ما روي عنه « 1 » ، من أنّه قيّد نفسه والتزم أن لا يفكّ القيد من رجليه حتى يحفظ القرآن . وقد اقتدى « 2 » به في ذلك الأديب أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي المعروف بالأبيض « 3 » ، حيث سئل عن لغة بمحضر من خجل منه ، فلم يحضره جواب ، فقيّد نفسه في قيد حديد ، وحلف أن لا ينزعه حتى يحفظ الغريب المصنّف في اللغة « 4 » ، فاتّفق أن دخلت عليه أمّه وهو في تلك الحال ، فارتاعت من ذلك ، فقال « 5 » : ( تام الكامل )
ريعت عجوزي أن رأتني لابسا * حلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت : جننت ؟ فقلت : بل هي همّة * هي عنصر العلياء والينبوع
سنّ الفرزدق سنّة فتتبعتها * إني لما سنّ الكرام تبوع
ومن جوامع كلم الفرزدق رحمه الله « 6 » : ( الطويل )
قوارص تأتيتي ويحتقرونها * وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
قال يونس بن حبيب « 7 » : وليس لأحد مثل قوله « 8 » :
وإنّا وسعدا كالفصيل وأمّه * إذا وطئت لم يضره اعتمادها
هامش
( 1 ) الخبر في الأغاني 21 / 283 وأمالي المرتضى 1 / 63 .
( 2 ) الخبر في نفح الطيب 3 / 489 .
( 3 ) أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المشهور بالأبيض شاعر وشاح حسن التصرف هجاء . قتله الزبير أمير قرطبة لما هجاه ( - 530 ه ) انظر الخريدة 6 / 580 ( شعراء المغرب والأندلس ) وزاد المسافر 108 ( وهو فيه أحمد بن محمد ) والمطرب 76 والمغرب في حلى المغرب 2 / 127 ونفح الطيب 3 / 389 .
( 4 ) الغريب المصنف في اللغة لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ( - 222 ه ) الوفيات 4 / 60 - 63 .
وقد حققه د . هادي حسن حمودي أستاذ فقه اللغة بجامعة وهران بالجزائر . انظر نشرة أخبار التراث صفحة 16 العدد 13 ماي يونيه 1984 .
( 5 ) الأبيات في نفح الطيب 3 / 489 .
( 6 ) ب . طبقات ابن سلام : قوارص . أج د ش : قوارض . ج : وتحتقرونها .
والبيت من مقطوعة في بيتين قالها الفرزدق لما هرب من زياد بن أبيه ونزل بالرّوحاء على بكر بن وائل ، ثم انتقل عنهم ، وأولها :تصرّم عنّي ودّ بكر بن وائل * وما كاد عنّي ودّهم يتصرّموهي في شرح ديوانه 756 وطبقات ابن سلام 1 / 357 - 358 والبيت في الأغاني 21 / 306 . ويقصد بالقوارص أبيات الهجاء المؤذبة .
( 7 ) هو إمام نحاة البصرة ، علامة بالأدب أخذ عنه سيبويه ( - 182 ه ) طبقات النحويين 51 - 53 والفهرست 63 ( دار المعرفة ) ونزهة الألباء 49 - 51 ومعجم الأدباء 20 / 64 - 67 والوفيات 7 / 244 - 249 والمزهر 2 / 399 والأعلام 8 / 261 .
( 8 ) أد ش : لم يضر .
والبيت في شرح ديوانه 216 والبيان 2 / 350 والإعجاز 148 .