فقال له الوالي : ما كان أبوك يا هذا إلّا شجاعا . وأمر بإطلاقهم . فلما ولّوا قال له بعض الحاضرين : إن الأول كان أبوه يبيع « 1 » الباقلاء المطبوخة . والثاني كان أبوه حجّاما ، والثالث كان أبوه حائكا . فقال الوالي : علّموا أولادكم الأدب فوالله لولا أدبهم لضربت أعناقهم . فتأمّل أكرمك الله ما اشتملت عليه هذه الحكاية ، فضلا عن غيرها « 2 » ممّا ذكرناه ، وممّا لم نذكره ، تجدها الغاية في فضل الأدب ، والنهاية في مدحه ، والحضّ على تعلّمه . وبالله سبحانه التوفيق .
الباب الأول في طبقات الشعراء وما جاء في تعلم الشعر وتعليمه عن السادة « 3 » الكبراء
اعلم ، وفّقنا الله وإياك ، أن طبقات الشعراء ثلاث : جاهليّ ومخضرم وإسلاميّ . فأمّا الجاهليّ فهو الذي لم يدرك الإسلام ، ورؤوس هذه الطبقة الشعراء الستة المشهورون « 4 » ، وديوان شعرهم معروف ، فمن أراد الوقوف على أشعارهم ، واجتلاء عرائس بنات أفكارهم فعليه به ، ففيه من ذلك ما يشفي الغليل ويبرئ العليل ، ورأسهم امرؤ القيس بن حجر الكندي .
وأما المخضرم فهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام ككعب بن مالك ، وكعب بن زهير ونظرائهما « 5 » . وقد تضمنت كتب المغازي والسّير كثيرا من أشعارهم ، وجملة شافية « 6 » من أخبارهم ، فمن أحبّ الوقوف عليها فليرجع إليها . ومن هذه الطبقة النابغة الجعدي ورأسهم حسان بن ثابت رضي الله عنه .
هامش
( 1 ) د : كان يبيع أبوه . ج : كان يبيع أباه ، وهو غلط .
( 2 ) د : غيره ، وهو غلط .
( 3 ) ج د : السادات .
( 4 ) هم الشعراء الستة الجاهليون الذين جمع لهم العالم الأندلسي الأعلم الشنتمري شعرهم وشرحه وهم امرؤ القيس والنابغة وعلقمة بن عبدة وزهير بن أبي سلمي وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد . طبعه المستشرق أهلوارد سنة 1869 م بعد تصحيحه ثم نشره مصطفى السقا باسم مختار الشعر الجاهلي سنة 1930 وكذلك فعل الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجة سنة 1945 انظر مقدمة ديوان النابغة 6 ، ت محمد أبو الفضل - دار المعارف مصر 1977 .
( 5 ) د ش : ونظائرهما .
( 6 ) حاشية أ : « خ صالحة » .