وفاضت على جنبيه نفس كريمة * تلوذ بها الدنيا ويعتصم الدهر
فؤادي في منعاك اسكته الذعر * ودمعي في ذكراك ارسله العذر
وقفت بهذا الحفل أبكيك فالتوى * علي سبيل النظم وامتنع النثر
اعرني بيانا يخلب اللب ساحرا والا فاني لا بيان ولا سحر
وعندك من فيض الخواطر ثروة * إذا جمعت لم يبق في خاطر فقر
أبي أنت ميراث العراق وذخره * إذا ذكر الميراث أو حفظ الذخر
وعى أدب الأجيال صدرك واسعا * ففي ذمة التاريخ ما ضمه الصدر
قف اليوم واستعرض نديك * حاشدا كما كان يعلوه التواضع لا الكبر
فكم جذوة في كوة الجند لم تزل * إلى الآن تذكيها المسناة والجسر
وكم في ضفاف النهر صفت مآدب * من الأدب المطبوع خلدها النهر
مآدب من زهر الربيع فلا ذوى * ربيع أياديه ولا ذبل الزهر
سلام عليها انها أريحية * تفيض وأنفاس هي الورد والعطر
عهدتك تشتاق الغري وأهله * وتسأل ان طال التقاطع والهجر
وتستعرض الأحباب حتى كأنهم * امامك لم يسدل حجاب ولا ستر
هلم أبي حي الوفود تزاحمت * على الحفل واكتظ الحمى ودوى القطر
هلم استمع وحي العواطف أو فقم * ليسمع منك الشكر ان أمكن الشكر
إذا انشدوا الشعر البليغ تذكروا * بأنك موحيه فيمتنع الشعر
ومنها
غدت هذه الأوطان وهي مهيضة * تخبط يعروها من الياس ما يعرو
دعوت لها ان تستقل بأمرها * وتصبح لا نهي عليها ولا أمر
بلاد جرت أنهارها وشطوطها * لجينا وغطى سطحها الماس والتبر
معادن أخفاها وقدرها الثرى * فكان لها شان وكان لها قدر
حبانا بها الوادي فكان وفاؤه * عميما ، ولكن الوفاء له نذر
جرى اليسر دفاقا إلى غير أهله * وحلت بأهليه المجاعة والعسر
أفيقي بلاد الضاربين بيوتهم * على مفرق الدنيا وقولي كفى السكر
وغيضي زيوت الرافدين ونفسي * عن الناس ، أو فيضي ليندلع الشر
سلوا دجلة هل في الضفاف خميلة * وهل في شواطيها يرى غصن نضر
وقولي لها أين الزهور ضواحكا * إذا اندفعت دفاقة أورق الصخر
دعوها فقد غاض الرجاء وصوحت * حقول ضواحيها وجف بها الغدر
وقال يرثي والدته :
هذا سريرك لكن أين مثواك * وأين أنت وما ذا في مصلاك
مناحة شقة الأجواء وانطلقت * تبكيك للملأ الاعلى وتنعاك
ونكبة تركتنا في محافلنا * ما بين باكية العينين أو باك
أماه اينك عند الصبح مشرقة * يفيض بشرا على الدنيا محياك
فلا الصباح صباح عند روعته * ولا النسيم نسيم دون رياك
ما غاب مرآك عن قلبي وعن بصري * ملء الفؤاد وملء العين مرآك
قبلت كفيك اجلالا فروعني * ان لا تقبل للتوديع كفاك
كانت حياتي كالأعياد ضاحكة * فعاد ثغر حياتي غير ضحاك
لست الحزين الذي تنسى فجيعته * انا الحزين الذي هيهات أنساك
ما انفك ثغرك عند الموت مبتسما * كأنما الموت عيد حين وافاك
يا شعلة النور والآفاق مظلمة * من ألهب الحزن في الدنيا واطفاك
خلا مصلاك من نجوى محببة * في ذمة الله نجوانا ونجواك
لله نعشك والدنيا تشيعه * إلى الغري فطوباه وطوباك
نسري تباعا إلى غاياتنا زمرا * سيان غاية مسرانا ومسراك
من يستطيع جزاء الأم معذرة * أماه لو كان مقدورا جزيناك
وقال
هذا الذي يبدو على قسماتي * اثر الغرام فما تقول وشاتي
صوني جمالك عن عيوني وانظري * اني أخاف عليك من نظراتي
كذب الذين تعبدوك فإنني * وحدي تعبدت الجمال الذاتي
رفقا بقلبي ان يسيل بأدمعي * فتنبئيه لقد جرت عبراتي
وضعي يديك على ضلوعي واسمعي * خفق الفؤاد ودقة النبضات
بصبابتي ، بك ، بالمحبة ، بالهوى * بالشوق ، بالحسرات ، بالزفرات
لا تسمعي قيل الوشاة فإنهم * جفت قلوبهم من الرحمات
وإذا تكاثفت الشكوك فخاطبي * حركات قلبك واقرئي حركاتي
اني سمعت شكاة قلبك خافقا * أو ما سمعت ظلامتي وشكاتي
بدمي طلبتك أنت سافكة دمي * أفتنكرين شهادة الوجنات
بيني وبينك في الغرام قرابة * تفدى بكل علاقة وصلات
رحماك بالصلة القريبة انها * في الحب تعصمنا من الشبهات
حب يغذيه العفاف منزه * عما يدنسه من الشهوات
وقال
تبسم الدهر سرورا وفرح * وطائر الاقبال باليمن صدح
وأينع الغصن الرطيب مورقا * حتى غدا يخرج باللين المرح
وزف لي خمر الهنا منادم * وما سوى المبسم للخمر قدح
ومسكة الخال بطرس خده * كزورق عام بماء وطفح
يراع حسن خط في وجنته * نقطة مسك طيب رياه نفح
مذ وقعت في خده مغلطة * قد كتب الحسن على خديه صح
شرحت لي متن الهوى مطولا * فضاف وسع خاطري وما انشرح
لحرب عينيك أميل طربا * فلا تقل قلبي إلى السلم جنح
أكلف البدر على كماله * ورام يحكيك جمالا فافتضح
وشح لي ذيل الدجى بصده * موشح الخصر فكم جاد وشح
فيا شحيح الوصل صل فربما * جاد بخيل بالوصال وسمح
قدحت زند الشوق في جوانحي * فيها سوى ذكرك قط ما انقدح
يستل من أجفانه صفيحة * أسال فيها مهجتي وما صفح
تبلجت عن غسق طرته * فانشق لي من غسق الليل الوضح
ينضح ماء الورد من وجنته * رب اناء بالذي فيه نضح
ما لي سوى ريقك من مدامة * فهاتها مغتبقا ومصطبح
تشابها رضابه وخمره * فلست أدري مم يسقيني القدح
منحته ودي لولا أنه * اعرض عن قلبي دلالا وصفح
يا رائشا بهدبه نباله * جعلت قلبي لمراميك شبح زندك لم يحسس حصاة كبدي * فكيف بالوجد شراره انقدح
وقال
تطلعت إلى الجو * وقلبي دائم الخفق
فأبصرتك في السرب * وشاهدتك في الأفق
بمن سواك كالطير * فهل أنت من الخلق
أعيان الشيعة — صفحة 532
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٥٣٢