أسماهم الوقت حكاما على بلد * لم يعترف لمعاليهم بميزات
رهط من الناس لا ينفك دأبهم * بذر الخلاف وايجاد الخصومات
سادوا البلاد وناموا في قصورهم * ملء الجفون هنيئا نوم سادات
بلية الحكم مقصورا على بلد * أدهى وأعظم أنواع البليات
ترى الدوائر في بغداد دائرة * على اقتسام الأراضي والمضخات
وقوله
فسجية المستعمرين جميعهم * في المشرقين تعسف وتشدد
وأقامها العهد العتيد حكومة * هي طبق ما اتفقوا عليه ومهدوا
وتستروا بالمجلسين فمجلس * طوع البنان ومجلس يتجلد
أما العراق فان في تاريخه * شرفا يضئ كما يضئ الفرقد
ليس السكوت من الخضوع وانما * هذا السكوت تجمع وتحشد
قالوا استقلت في البلاد حكومة * فضحكت أن قالوا ولم يتأكدوا
أحكومة والاستشارة ربها * وحكومة فيها المشاور يعبد
الحكم حكمهم بغير منازع * والامر مصدره همو والمورد
المستشار هو الذي شرب الطلا * فعلا م يا هذا الوزير تعريد
أعلى أساس الرق يعقد حلفنا * وعلى أساس الانتداب يشيد
وقوله :
تنقلت بأمانينا سياستهم * تنقل الجسم بين السقم والأجل
فازوا فعادت أمانينا بفوزهم * طيفا وصارت مساعينا إلى الفشل
سياسة القوم عند الناس واضحة مطوية في مناحيها على دخل
ما قيمة الحلف منقوصا يراد به * ان يصبح الحكم مقصورا على رجل
هل حقق الحلف ما كنا نؤمله * أستغفر الله بل غطى على الأمل
شلت يد وقعت عمدا معاهدة * صيغت من الظلم واشتقت من الحيل
صيغت بلندن أطوافا وأسورة * من الحديد وان كانت من الجمل
تسافل الدهر فالأحكام مضحكة * والحكم في قبضة الأوغاد والسفل
ما أكبر الفرق شعب بات متكلا * على الزمان وشعب غير متكل
شتان هذا يهاب الموت من وكل * وآخر غير هياب ولا وكل
تأبى العروبة أن تبلى كرامتنا * وأن نعد عداد الشاء والإبل
خلوا العراق فهذا الحكم مهزلة * وأسوأ الحكم ما أفضى إلى الهزل
وقال في المهرجان الذي أقيم للمتنبي في دمشق من قصيدة
هذا أبو الطيب حي خالد * ما مات من أسس دولة الأدب
احدث في قلب الزمان هزة * لولا المقادير تقيه لانقلب
سعى إلى المجد فنال رتبة * ما نالها في عصره أهل الرتب
أدى إلى أمته رسالة * خالدة فانكشفت تلك الريب
في قلبه النار على أعدائه * أما تراه كيف يقذف اللهب
ما طمحت نفس امرئ طموحه * من طلب العليا وادراك الطلب
يستهدف السؤدد في نشيده * لا المال من غاياته ولا النشب
ما اطلع الشرق هلالا بعده * ولا أرانا كوكبا منذ احتجب
اربى على كل النفوس همة * فمن يجاريه ويبلغ الإرب
قلب الزمان لم يسع آماله * ضاق بها الكون وضاقت الرحب
يرمي سهام رأيه فلم تكن * من ذابل النبع ومعوج الغرب
نوازعا كم نفذت نصولها * إلى المرامي من مقاتل النوب
صواعق تنصب لا قصائد * وحمم يقذفها من الغضب
كم ضيق الخناق في نشيده * على الطواغيت فنفس الكرب
ان أنشد الدهر له قافية * دوى بها الكون وماجت الحقب
وقال في الربيع
نفض الربيع جماله ونضاره * وكسا الأديم المكفهر بهاره
وشى مطارفه الحيا متهللا * فيه وطرز بالزهور إطاره
النهر مطرد المياه تدفقت * في ضفتيه ولاعبت زخاره
والطل تسقط في الرياض دموعه * والغيث يرسل هطلا أمطاره
والصبح أطلع للعيون شموسه * بيضاء تلمع والدجى أقماره
هذا الربيع فما أحيلي ليله * للساهرين وما ألذ نهاره
يعطيك أبدع ما يروقك نوره * ويريك أجمل ما ترى نواره
صنعت يداه من الورود حدائقا * غناء فوق نورها وأناره
الشعر ما نثر النسيم وروده * في الروض أو نظم الحيا أزهاره
والوحي ما نفح الشذي متعقبا * أو ما شممت ندية اعطاره
والسحر ما نفض الأصيل شعاعه * أو ما أذاب على الشطوط نضاره
واللطف ما ملا الحيا احواضه * أو ما أسال على الربى أنهاره
والحسن ما لبس الأديم ملاءة * خضراء أو خلع الربيع عذاره
اني أحب من الربيع شميمه * وأحب فيه خزامه وعراره
وأحب نضرته ، أحب رواءه * وأحب خفته ، أحب وقاره
وأحب وكاف السحاب إذا بكى * في الريف أضحك دمعه أشجاره
والشمس تجنح للمغيب أحبها * والبدر يرسل في الدجى أقماره
وأحب من هذا النهار أصيله * وأحب من ذاك الدجى أسحاره
والبحر ان ركد النسيم سكونه * وأحب من حركاته تياره
كل الطيور الصادحات أحبها * وأحب من صداحها أطياره
أحببت بلبله المتيم حائما * وعشقت وهو على الأراك هزاره
أثرت بنضرته الشعاب فهل ترى * أحدا يقدر في الثرى آثاره
وقال يرثي والده من قصيدة :
أذكراك أم هذي القيامة والحشر * فديناك هل أنت الفقيد أم الذكر
أبي كيف استوحي الرثاء مفكرا * فمعذرة ان خانني الوحي والفكر
يقولون ابنه بشعرك انه * يلذ له من فيك ان ينشد الشعر
سأنشده من مقلتي قصيدة
برغم القوافي انها أدمع حمر
واسكب احشائي عليه من الأسى * نشيدا وأحشائي إذا سكبت جمر
دعاني واسماني فقبلت ثغره * وودع بالايماء وابتسم الثغر
هنالك فاضت روحه في سكينة * سلام عليها آية انها سر
قضى الله ان تغشى السماء مناحة * ويمتد في قلب السحاب له قبر
وما انشق قلب الأفق الا لأنه * ضريح أعدته الملائكة الطهر
رويدكم يا حامليه فإنه * بقية عهد كل أيامه فخر
طوى الموت من نهج البلاغة صفحة * بها طوي الابداع والأدب البكر
طواه الردى جيلا أغر وأمة * وميراث هذا الجيل آثاره الغر
تلاقت به كل العصور مدلة * ففي قلبه من كل ناحية عصر
حمى لغة الأجداد ثم أذاعها * سوانح اطراها وكرمها النشر
وأودعها من روحه ومزاجه * معاني قالت للعقول انا الخمر
أطل على النادي فأشرق وجهه * وفاحت على الوادي خلائقه الزهر
حدادا على الوادي فلن يعبق الشذا * وحزنا على النادي فلن يشرق البدر
أعيان الشيعة — صفحة 531
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٥٣١