ما ان تجاوزت الذكرى مسامعهم * يوما ولا راقبوا لله سلطانا
وكل يوم لهم فيمن قضى عظة * تعد أحياءنا اللاهين موتانا
هل ينظرون بأبصار يرون بها * ملابس العز ما ندعوه أكفانا
أو يسمعون باذان تحيل لهم * قوارع الذكر تغريدا وألحانا
أو يحملون قلوبا يحسبون بها * في القبر صرحا يضاهي قصر غمدانا
أعمتهم الشهوات المهلكات عن * الباري فسامهم بغيا وكفرانا
ما جاوزت كلمات الرشد ألسنهم * إذ يدعون الهدى مكرا وإدهانا
كان اغتنام رضى الرحمن همهم * لو أنهم صدقوا في الله ايمانا
ألا ترى مستهام الحب يؤنسه * رضى الحبيب وان أقصاه هجرانا
فكل صعب عليه هان في سبل * الهوى وكل عزيز عنده هانا
وليس ريبهم في الله منقصة * لله بل كان فيهم ذاك نقصانا
ما عاب شمس الضحى أن لا ترى * لعمى في الناظرين ولا انحطت بذا شانا
يا أمة تدعي الايمان حيث خلت * من ضوء حجته الغراء أذهانا
أنتم كغيركم في ذا السبيل فما * للفرق أعددتم قولا وتبيانا
وكيف يصلح دين الله أفئدة * لم تبن إلا على التقليد إيمانا
ما استقبلوا الله يوما بالقلوب فهم * مستقبلون على التحقيق انسانا
لا ينهجون سبيلا قل سالكه * وان تلوا سنة فيه وقرآنا
فلا وعيشك لا يأتون من عمل * زاك إذا قل أهلوه وان هانا
وربما اعتقدوا حقا يدان به * ما لم ينزل به الرحمن سلطانا
وربما حظروا لا عن دليل هدى * ما كان لو عقلوا للب ميزانا
مستمسكين بما اعتادوا فحيث دعا * داعي الهداية صموا عنه آذانا
مثل البهائم إذ عافت على ظما * ورود ما لم ترد من قبل أحيانا
فأي دين هدى فيه لمثلهم * صلاح أمر وقد ساموه عدوانا
وكيف ينجع وحي الله في ملأ * يتلون آياته صما وعميانا
لا يطمئن بذكر الله ذاكره * ما لم يكن من نمير العلم ريانا
ان يتق الله قوم فالذين به * قلوبهم ملئت علما وعرفانا
لا قول صلوا ولا شرح الصلاة هما * مما استجيب به لله إذعانا
لا رواية ما قال الرسول على * من لو تشاء جرى في الريب حيرانا
أو يستقم نهج ذي علم فمن طهرت * أخلاقه وأقام القسط ميزانا
لا العلم ينجع والذكرى بمن جعلوا * عليهم للهوى حكما وسلطانا
وأين ذكراك من قوم قلوبهم * دون النصيح عليها الغي قد رانا
لو دان كل امرئ للحق حيث بدا * لم يعد فرعون رشدا بابن عمرانا
ولا بعيسى استراب المستريب ولا * بصدق أحمد لا قبلا ولا الآنا
ذاك النبي الذي يدلي بحجته * سر العوالم أحيانا فأحيانا
ذاك النبي الذي أبقى الاله له * إلى المعاد على ما جاء برهانا
من حكمة بثها الأمي صافية * تزداد علما بها ما زدت امعانا
وسر وحي لنا منه بدا نبا * بصدقه وبنفي الريب أنبأنا
كم جاء بالحجة البيضاء عارية * لا تستطيع لها الأيام كتمانا
لكن مرامي هوى الإنسان ليس لها * حد ولست لها تسطيع حسبانا
ورب علم أضاع الرشد صاحبه * ولو نصحت له سرا واعلانا
أكان يجهل عمرو أو معاوية * وصي احمد إذ ساماه عدوانا
لكنها شهوات عد صاحبها * دون البهائم لما عد شيطانا
شر الخصال عمى ما انفك صاحبه * بخمره ثمل العطفين نشوانا
ان أم نهج الهدى يوما فما فقدت * في قلبه نفثات الغي الكنانا
لكن نحا سبل الرشد ابتغاء منى * أو غادر البغي إذ أعياه امكانا
كم جاء بالعمل الزاكي مخادعة * قوم يعدهم الشيطان اخوانا
امسك بذكراك عن قوم بهم ثبتت * على الضلال مباني الفخر أركانا
ان ينذروا سخروا أو يهجروا وتروا * أو ينظروا أوسعوا في الغي ميدانا
لم ينكروا منكرا يوما ولا أمروا * بالعرف حينا أعز الدين أم هانا
فلا وربي ما من حكمة عدلت * خوف امرئ ربه سرا واعلانا
هل همة المرء الا خدمة الجسد الداني * إذا لم يكن لله قد دانا
ولا رزية كالالحاد ملبسة * غما تلظى به الأحشاء نيرانا
وهل يقدر كالرجعي إلى عدم * بعد الوجود أولو الألباب خسرانا
فان نفى ملحد عن نفسه جزعا * فكيف يحيا بدار البؤس محيانا
قل للكفور بباريه ستعرفه * إذا جزيت عذاب النار ألوانا
لو كنت تسال برهانا عليه رأت * من كل ما أبصرت عيناه برهانا
لكنما رمت اطلاق العنان بلا * حجر من الدين أنى رمت عدوانا
زعمت أنك لو أبصرت ربك ما * أودعت قلبك للرحمان كفرانا
وكيف تجعل ربا من تراه ولم * يستعل عن شبه في خلقه شانا
لو كان يبصره راء لكان إذا * قد استحال وجود الذات امكانا
هل فوقه قادر يعطيك باصرة * تسطيع رؤية من سواك انسانا
ليس الوجود لشئ عين رؤيته * أو بعضها فترى ما شئت إذ كانا
لو كنت تعقل لم تقدم على خطر * لم يعد محتملا لو جاز رجحانا
فكيف والعلم قد فاضت أشعته * من حيث عن رؤية الابصار أغنانا
وله قصيدة عنوانها أنت ابن يومك :
أنت ابن يومك لا ابن أمس ولا الغد * عدمان بينهما تروح وتغتدي
فاربا بنفسك ان تغادر فرصة * لغد فلا تدري مصيرك في غد
وإضاعة الفرص السوانح حسرة * من دون لوعتها عناء المقصد
فإذا ظفرت بفرصة فاسترعها * عينا إذا نام القطا لم ترقد
واشدد لها الهمم التي ان أخلفت * فعرى الرجاء بغيرها لم تعقد
وإذا نبا بك بعد صدق عزيمة * حظ فشاهد مجدها لم يجحد
أعطيت بسط يد وفكر لو به * رمت الثواقب لم تكن بمفند
لو كان يجمعنا الوفاق على هدى * لم يعينا طلبا مقام الفرقد
الرأي فاعلم شرط كل عزيمة * فبدونه عضب الشبا كالمرود
للمستضئ بنوره حيث انجلى * كادت وجوه الغيب تلمس باليد
هي سابغات الحزم ما عملت يد * فيها ولا هي تشتري بالعسجد
أوهمت نفسك في الباطلة راحة * تلهي فؤادك عن بلوع السؤدد
لكن من رضي الأماني موردا * للهم وارد غلة لم تبرد
والناس حيث يؤمهم داعي الهوى * لم ينظروا الا بعيني أرمد
فمتى يتاح لعامل عين بها * يهدى إلى النهج السوي فتهتدي
ويد بها تنمو بقية مجدها * ان كان ثم بقية لم تنفد
أبناء قومي والشماتة ان يرى * غرض الملام ربيب ملة أحمد
أعيان الشيعة — صفحة 290
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٩٠