والسيد محمد بن الحسين بن يحيى الكوكباني ، وكان القاضي كثير التواضع والفكر « 1 » ، في أمور الآخرة ، قليل الرغبة في مواصلة الأمراء ، كثير السعاية في الخير مع الأغنياء والفقراء ، يحب الضيف والوافد ، ويصل الفقراء بجزيل العوائد ، من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ، والذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وكان له ولوع بحي مولانا الإمام المؤيد محمد بن إسماعيل ، لموافقته له في الزهد والسيرة المرضية ، وله غضب في اللّه لا يرده راد ، وتصلب في دين اللّه لا يبالي فيه بالعباد ، ومحبة لخمول الذكر وعدم الشهرة والسمعة ، مع أنه البدر الذي لا يخفى ، والمصباح الذي لا يطفى ، ثم تولى القضاء في شوال سنة إحدى عشرة ومائة وألف بصنعاء ، عن أمر الخليفة المهدي محمد بن أحمد بن الحسن وكانت أنظاره شفاء للأوام ، وفتاواه ذريعة إلى التبصرة للخاص والعام ، وأقواله في معترك الخلاف قاطعة للشجار والخصام ، وأحكامه في بلاد اللّه المضطربة أصول الأحكام ، وأكثر من درس في هذا الفن عليه يرحل في حل ما استبهم وتعريب ما استعجم إليه ، وكان في فن التفسير المشار إليه بأبي السعود ، والمشهور في برج سماء تحقيقه بالطالع المسعود ، كان في علم الفرائض مما أنتظم به الوسيط في عقد الصلاح ، وانفتحت له معاني الهندسيات من النور الفائض بمفتاح ، وكان في هذا الفن فيصل القضايا ، وممن يضرب إليه فيه أكباد المطايا ، وأما النحو فابرز خفايا نجم الدين التي خمدت عندها الأذهان ، وميز قلم نقده بين التهوج والعقبان ، فظهر ذلك في تضاعيف القراطيس ، ويبرز بوجه أبلج في حلقات التدريس ، ونسخته الآن من شرح نجم الدين مرجع في حل المبهمات ، وكشف المشكلات ، عليها من الصحة أثر ، ومن الأنصار الثاقبة الشافية ما يذهل عنده اللب ويتحير انتهى .
هامش
( 1 ) في ( ج ) : والفكرة .