ومدرسة لطلب العلم والقراءات . وكان يحسن للطّلبة ، ويطعمهم الطّعام ، ويكسوهم من كسبه ، ويربيهم أحسن تربية . وزاد فضله ، وشاع ذكره ، واشتهر في الآفاق ، وازدحمت الناس على بابه ، ساس الأمة ، وكشف الغمة ، وعمّت به النّعمة . وكثرت طلبته ومريدوه ، واستفادت منه الناس بإرشاده في الطّريقة والحقيقة . ولم يفتر عن التّدريس ليلا ونهارا ، صرف همته العليّة في العلم ، واحياء السّنة السّنيّة ؛ وكان فريد العصر في سيرته المرضيّة ، له مواظبة على الأوراد والوظائف في كلّ مساء وصباح ، ويتصدّر للتّدريس . وله حصة من النّهار يدخل فيها داره ، يسبك غزلا ليأكل من عمل يده ، آخذا بالأكل من كدّ اليمين . وفي كلّ ليلة تجتمع الطّلبة ، ويقرءون القرآن العظيم في حضرته على أسلوب الدّوري البصري . وحيد عصره ، وفريد دهره ، وكان واقفا على ساق الجدّ في دين اللّه ، وإحياء سنّة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - . يرحم الفقراء ، ويرفق بالضّعفاء ، صاحب مكاشفات ، وله كلام كثير في الحقائق . ومن مشايخه بمصر الشّيخ محمد بن نصر المغربي ، وتوقّف في إجازته ، حتّى أخبره برؤيته للمصطفى - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومشيه خلفه ، ولم يدركه . فلما قصّ رؤياه على الشيخ ، قال له : « تمشي على سنته وعدم إدراكك له مقبول ، إذ حارت فيه الأكابر قبلك ، وحقّت لك الإجازة » فأجازه . وأثنى عليه ، قال المملي : « لازمته كثيرا فما رأيته خالف السنّة قط » .
وفي حجّته أراد الإقامة بالمدينة المنوّرة ، فرأى النبيء - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأمره بالرّحلة إلى المغرب ، وإقامة السّنّة به ، فامتثل ، وقطن بمدينة صفاقس ، وجدّ كلّ الجدّ ، وانتفع به خلق كثير ، وتخرّجت عنه رجال من المشرق والمغرب .
وأقبلت عليه الدّنيا فما ازداد فيها إلا زهدا ، وكان يبذل من ماله وكسبه ما يجهز به الغزاة في البحر على الكفار ، ثمّ أنشأ سفنا ، وصرف عليها مالا ، وأعدّها لدفع ضرر قرصان النّصارى « 58 » ، وكان يجهزهم دائما مستعدّين مترصدين ، فمهما ظهر قرصان النصارى على تلك السّواحل ، يخرجون إليهم ، ويأتون بغنائم مستكثرة عديدة ، حتّى انقطع ضرر الكفّار من تلك السّواحل .
هامش
( 58 ) تسع كلمات ساقطة من « ج »