كرب ، وكتب رقعة علّقها في أذن أحمد فيها : هذا رأس الكافر أحمد بن نصر الخزاعي أمره أمير المؤمنين الواثق أن يتوب عن الجبر والتشبيه والقول بقدم القرآن ، فأبى واستكبر فقتله أمير المؤمنين بيده احتسابا ، وعجّل بروحه إلى عذاب السعير .
وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي النديم ، عن أبيه ، قال : صرت إلى سرّ من رأى بعد قدومي من الحجّ ، فدخلت إلى الواثق فقال لي : بأيّ شيء أطرفتني من أحاديث العرب وأشعارهم ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين جلس إليّ أعرابي في بعض المنازل ، فحادثني ، فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وظرفا وأدبا ، فاستنشدته فأنشدني :
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله * غزالان مكحولان مؤتلفان
إذا أمنا التفّا بجيدي تواصل * وطرفاهما للرّيب مسترقان « 1 »
أرعتهما ختلا فلم أستطعهما * ورميا ففاتاني وقد رمياني
ثم تنفّس نفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه « 2 » فقلت : مالك بأبي أنت وأمّي ؟
قال : وراء هذين الجبلين شجن ، وقد حيل بيني وبين المرور بهذه الجهات وهدر دمي ، فقلت له : زدني مما قلت فأنشدني :
إذا ما وردت الماء في بعض أهله * حضور فعرّض بي كأنّك مازح
فإن سألت عنّي حضور فقل لها * به غبر من دائه وهو صالح
فأمرني الواثق فكتبت الشعرين له ، فلمّا كان بعد أيام دعاني وقد عمل فيهما لحنين في غاية الحسن فغنّاهما بمحضري ، فاستحسنتهما جدا وطربت لهما طربا تحقّقه منّي ، فأمر لي بمائة ألف درهم ، وقال لي : هل قضيت حق هديتك ؟
فقلت : نعم يا أمير المؤمنين وأطال اللّه بقاك ، وتمّم نعمته عليك ولا أفقدتها منك وبك ، فقال : ولكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معونته على أمره وقد سبقت مسألتك ، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره ، وخطبت المرأة له ، وحمل صداقها من مالي ، فقبّلت يده ، وقلت : لك السبق إلى
هامش
( 1 ) الأستراق : اختلاس النظر والسمع ، ومثله التسرق والمسارقة .
( 2 ) الحيازيم : ضلوع الفؤاد .