قلت له : يا أخا بني هاشم ، إن كنت تفخر علينا برسول اللّه فما تسعنا مفاخرتك ؟ قال : كيف ؟ لا أمّ لك ، واللّه لو كان منك لفخرت عليّ به ، فقلت :
صدقت وأنه لموضع الفخار صلى اللّه عليه واله وسلم ، واستغفر اللّه ، وداخلني السرور لقطعه الكلام ، ولئلّا يعوزني جوابه فأفتضح ، ثم إنه ابتدأ المنازعة ، وأفكر قليلا ثم قال : قد قلت فاسمع ، فلم أجد بدّا من الاستماع ، فقلت : هات ، فقال :
نحن الذين إذا سما لفخارهم * ذو الفخر أقعده هناك القعّد
أفخر بنا إن كنت يوما فاخرا * تلق الألى فخروا لفخرك أفردوا
قل يا ابن مخزوم لكل مفاخر * منا المبارك ذو الرئاسة أحمد
ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم * هيهات ذلك ، هل ينال الفرقد « 1 »
فحصرت وتبلدت ثم تحاملت وفكرت مليّا ثم قلت :
لا فخر إلّا قد علاه محمد * فإذا فخرت به فإني أشهد
أن قد فخرت وفقت كلّ مفاخر * وإليك في الشرف الرفيع المعمد
ولنا دعائم قد بناها أو سل * في المكرمات جرى عليها المولد
من رامها حاشى النبي وآله * في الأرض هاج بها الخليج المزبد
دع ذا ورح لغناء خود بضّة * مما نطقت به وغنّى معبد « 2 »
مع فتية تندى بطون أكفّهم * جودا إذا هرّ الزمان الأنكد « 3 »
يتناولون سلافة عانية * طابت لشاربها وطاب المقعد
فو اللّه يا أمير المؤمنين ، لقد جاوبني بجواب كان أشد عليّ من الشعر ، قال لي : يا أخا بني مخزوم أريك السهى « 4 » وتريني القمر ، وتخرج من المفاخرة إلى شرب الخمر المحرّمة ، فقلت له : أما علمت أصلحك اللّه أن اللّه يقول :
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ »
إلى قوله تعالى
« وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ »
« 5 » قال :
هامش
( 1 ) الأغاني 16 / 189 ، بدائع البدائة 1 / 27 ، الدرجات الرفيعة 560 ، شعره / القطعة 23 .
( 2 ) الخود : الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا . وقيل : الجارية الناعمة ، والجمع خودات وخود . ( اللسان مادة خود ج 3 ص 165 ) - بضّ الجلد : ناعمة .
( 3 ) هرّ : ساء خلقه واشتد .
( 4 ) السّهى : كوكب خفي من بنات نعش الصغرى .
( 5 ) سورة الشعراء : الآيات 224 - 226 .