قلت : صدق أبو تمام ما زال العكوك يأتي بمعجزات الشعر والبيض الأولى السيوف والثانية النساء واللّف والنثر المرتب .
وقال البحتري : أنشدني أبو تمام يوما :
وسابح هطل التعدات هتّان * على الجرا أمين غير خوان
أظمى الفصوص ولم تظمى قوائمه * فخل عينيك من ظمآن ريّان
فلو نظرت إليه والحصى ريم * تحت السنابك من مشي ووحدان
أيقنت أن لم تبين أن حافره * من صخر تدمر أو من وجه عثمان « 1 »
ثم قال لي : هذا هو الاستطراد ، أو قال المستطرد ، ثم إن البحتري تبعه فقال من قصيدة في صفة الفرس أوّلها :
أهلا بذلكم الخيال المقبل * فعل الّذي يهواه ، أو لم يفعل
برق سرى من بطن وجرة ، فاهتدى * بسناه أعناق الركّاب الذلّل
من غادة منعت ، ويمنع وصلها * فلو انها بذلت لنا لم تبذل
كالبدر ، غير مخيّل ، والغصن غي * ر مميّل ، والدّعص غير مهيّل
وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل * قد رحت منه على أغرّ محجّل
خافي الضّلوع ، يشدّ عقد حزامه * يوم اللّقاء ، على معمّ مجوّل
أخواله للرّستمين بفارس * وجدوده للتبعين بموكل « 2 »
متوجّس برقيقتين ، كأنّما * يريان من ورق عليه موصّل
ما إن يعاف قذى ، ولو أوردته * يوما خلائق حمدويه الأحول
ذنب كما سحب الرداء يذب عن * عرف وعرف كالقناع المسبل « 3 »
زاد في استطراد حمدويه ذكر الأحول وهو تتميم ، وأما الوصف للفرس فله فعل الكميت ، وكانت بين أبي الفرج وبين السيرافي النحوي المشهور منافسة فقال فيه أبو الفرج :
لست صدرا ولا قرأت على صدر * ولا علمك القليل بشافي
هامش
( 1 ) لم أعثر عليها في ديوان أبي تمام .
( 2 ) في هامش ب : « موكل : اسم محل باليمن » .
( 3 ) كاملة في ديوان البحتري - ط صادر 2 / 366 - 369 .