وله وقد غاب عن بغداد فتشوقها وهو كالأول [ من الكامل ] :
بلد صحبت به الشبيبة والصّبا * ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثّل في الضمير رأيته * وعليه أغصان الشباب تميد
وله في صفة خبّاز رقاق حاذق خفيف الحركات مرّ به :
ما أنس لا أنس خبّازا مررت به * يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة * وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلّا بمقدار ما تنزاح دايرة * في صفحة الماء ترمى فيه بالحجر « 1 »
ذكر الصفدي فيما احفظ أن منشدا أنشده هذه الأبيات في حلقة بعض مشائخ المغاربة واستحسنها وجعل يرددها فقال الشيخ وكان في غاية المجون :
فكدت اضرط إعجابا بصنعته * ومن رأى مثل ما عاينت منه خري
فأنكر بعض الجماعة إفراط مجون الشيخ فقال :
إن كان قولي هذا ليس يعجبكم * فعجّلوا محوه أو فالعقوه طري
ومن المعاني التي أجاد ابن الرومي [ من الطويل ] :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأوسع ممّا كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه * بما سوف يلقى من أذاها يهدّد
وله القصيدة الجميمة « 2 » التي رثا فيها الإمام يحيى بن عمر الحسيني الكوفي « 3 »
هامش
( 1 ) ديوانه 2 / 766 .
( 2 ) معجم الشعراء 627 ، سمط اللآلي 329 ، 330 ، 926 ، 927 ، زهر الآداب 202 ومواضع أخرى ، يتيمة الدهر 3 / 152 ، وهي كاملة في ديوانه 2 / 584 - 603 وقوامها 282 بيت .
( 3 ) يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين السبط : ثائر ، من أباة أهل البيت . خرج في أيام المتوكل العباسي ( سنة 235 ) واتجه ناحية خراسان بجماعة ، فرده عبد اللّه ابن طاهر إلى بغداد ، فأمر المتوكل بضربه وحبسه . ثم أطلقه ، فأقام مدة في بغداد . وتوجه إلى الكوفة في أيام المستعين باللّه ، فجمع بعض الأعراب ، ودخلها ليلا ، فأخذ ما في بيت مالها ، وفتح السجون فأخرج من فيها ، ودعا إلى الرضى من آل محمد ، فبايعه الناس ، وطرد نواب الخليفة من الكوفة ، واستحوذ عليها ، وعسكر بالفلوجة . وقصده جيش ، فحاربه . وظفر ، فقوي أمره جدا ، قال ابن كثير : « وتولاه أهل بغداد ، من العامة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيع ، وأحبوه -