لأنه كان في بداية أمره يرفو أو يعالج الخياطة ويطرف بالموصل ، وتعلق بالأدب فملّكه العنان ، فما زال حتى فني به الخالديان .
وقال في وصف عيشه بالأبرة أو حال حاله [ من السريع ] :
وكانت الإبرة فيما مضى * صائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرّزق بها ضيّقا * كأنّه من ثقبها جاري « 1 »
ثم امتدح الأمير سيف الدولة واختص به وأثرى بجوده ، ونال الرغائب ، وكان يستجيد شعره ويعرف قدره .
وذكره الثعالبي في يتيمة الدهر وأثنى عليه وحلّى بشعره جيد تلك اليتيمة ، وكم باتت به وكأنّما على خدّها من المسك لطيمة ، وأورد من مطرب شعره [ من الطويل ] :
أقول لحنّان العشيّ المغرّد * يهزّ صفيح البارق المتوقّد
تبسّم عن ريّ البلاد حبيّه * ولم يبتسم إلّا لإنجاز موعد « 2 »
ويا ديرها الشّرقيّ لا زال رائح * يحلّ عقود المزن فيك ويغتدي
تحيّيه أنفاس الشّمال كأنّما * يعلّ بماء المسك عنبرها النّدي
يهيج حنين الورق في شجراتها * نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد « 3 »
وكان السري زيديا ، وله قصائد في أهل البيت رضي اللّه عنهم ومراثي في الحسين عليه السّلام ، واعترضه ابن حجّة في قصيدة رثى بها الحسين عليه السّلام استفتحها بقوله :
نطوي الليالي علما أن ستطوينا * فشعشعيها بماء المزن واسقينا
فقال : إنه لم يراع المناسبة حيث استسقى المدام ، والمقام مقام حزن .
قلت : قد أشعر بذكر طيّ الليالي ، وجرت عادة العرب بعدم ملاحظة ما ذكره المتأخرون إلّا القليل كأبي ذؤيب الهذلي « 4 » في مرثيته لبنيه :
هامش
( 1 ) يتيمة الدهر 2 / 289 ، معجم الأدباء 11 / 183 - 184 ، معاهد التنصيص 477 ، كاملة في ديوانه 2 / 289 .
( 2 ) الحبي : السحاب الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء .
( 3 ) يتيمة الدهر 2 / 120 ، معاهد التنصيص 478 ، ديوانه 2 / 137 - 139 .
( 4 ) هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد بن محرث الهذلي . شاعر مخضرم هلك له خمسة أولاد في الطاعون فأكثر من رثائهم . -