الجناح ومن الساق والرجلين ، فإن كان قد بلغ من نبلك إنك لا تأكله فانظر أين رميت به ؟ قال : لا أدري ! قال : لكني أدري ، رميت به واللّه في بطنك ، واللّه حسبك .
قلت : لقد أفاد بخل سهل فوائد طيّبة ، وأمثال تحبب أكل رؤوس الديوك مع ظرف المحاورة ، وإنه مجدّ ، ولهذا إن من البيان لسحرا .
ومما يتعلق بالديك ودعبل : ما حدّث أحمد بن خالد الكاتب البغدادي قال : كنّا يوما في دار رجل اسمه صالح بن علي من عبد القيس ببغداد ، ومعنا جماعة من أصحابنا فسقط على السطح ديك من دار دعبل ، فلما رأيناه قلنا هذا صيد فأخذناه ، فقال صالح : ما تصنع به ، قلنا نذبحه فذبحناه وشويناه ، وخرج دعبل فسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح فطلبه منا فجحدناه وشربنا يومنا ، فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة وجلس على باب المسجد وكان مجمعا يجتمع فيه العلماء والأدباء وينتابهم الناس فقال :
أسر المؤذّن صالح وضيوفه * أسر الكميّ القرن ديك الحائط « 1 »
يتنازعون ، كأنهم قد أوثقوا * خاقان ! أو هزموا كتائب ناعط « 2 »
بعثوا عليه بناتهم وبنيهم * من بين يانعة وآخر ساقط
نهشوه ، فانتزعت له أسنانهم * وتهشمت أقفاؤهم بالحائط « 3 »
فكتبها الناس عنه ومضوا ، فقال لي وقد رجع إلى البيت : ويحكم ضاقت عليكم المآكل فلم تجدوا سوى ديك دعبل ، ثم أنشدني في الشعر وقال : لا تدع ديكا ولا دجاجة إلا اشتريته لدعبل وبعثت به إليه وإلّا وقعنا في لسانه ، ففعلت ذلك .
وبات دعبل ليلة عند صديق له من أهل الشام وبات عندهم رجل من أهل بيت لهيا اسمه حوى بن عمر السكوني وكان جميل الوجه ، ندب عليه صاحب البيت ، وكان شيخا كبيرا فانيا قد أتى عليه حين من الدهر ، فقال دعبل :
هامش
( 1 ) يريد بالمؤذن ، الديك ، الكمي : الشجاع وجمعها كماة .
( 2 ) ناعط : قبيلة من همدان ، وأصله جيل نزلوا به فنسبوا إليه .
( 3 ) الأغاني 20 / 141 ، معاهد التنصيص 270 .