كم حمام قد كان منها حمامي * عندما ناحت الضحى بحماها
كم أفاضت بجرأة أدمع العي * ن فيا للإله ما أجراها
هيجت من فروعها لي شجونا * هي أصل الأشجان لا ما سواها
فشجوني منها فيا ليت شعري * ما الذي شاقها وما أبكاها
أي حزن لها وها هي في الدو * ح مع الألف دائما سكناها
ما جفاها خلّ كما قد جفاني * أو مناها دهر ببعد مناها
ولها مثلما علمت جناح * إن نأى من تحب عن مغناها
كم تغنّي وكم تنوح ولم أد * ر بذاك النواح ما معناها
إن يكن ما ادعت من الحزن حقا * فلماذا قد خالفت مدّعاها
خضّبت كفها وطوّقت الجي * د وغنّت فأين منها جواها
أين منها صبابتي وولوعي * بربوع هيهات أن أنساها
ليت أني إن لم يكن لي إلى العو * د سبيل عند المنام أراها « 1 »
وهي طويلة ، كتبها إلى القاضي الأديب ضياء الدين يوسف بن علي بن هادي الكوكباني ، يلتمس منه عارية كتابه المسمى « بطوق الصادح » ، ولهذا أكثر من خطاب ذات الطوق وأتى بما بهر عطف ذي الشوق ، وهي دالة على فضله في سبك الذهب ، دلالة لجين الصبح من ذكا على اللهب ، وسيأتي شيء مما نغم به الناس في الحمامات ، ولما اشتهر بين الأدباء قول ابن قرناص « 2 » :
خضبت كفّها وطوّقت الجي * د وغنّت وما الحزين كذلك
ذكره هنا على جهة التلميح ، وأما قوله : كم تغني وكم تنوح ، فقد كشف الخطيب أبو نصر المنازي « 3 » بقوله :
هامش
( 1 ) نشر العرف 1 / 118 - 120 .
( 2 ) محي الدين بن قرناص الحموي ، شاعر مجيد وأديب مشهور ، أورد له ابن حجة الحموي كثيرا من شعره في خزانة الأدب ، ويظهر أنه من شعراء القرن السابع الهجري .
نتف عابرة عنه في : المنهل الصافي 1 / 122 ، سلاطين المماليك 6 / 196 ، 8 / 408 ، 462 ، أنوار الربيع 1 / ه 268 .
( 3 ) هو أبو نصر أحمد بن يوسف السليكي المنازي . وزر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ميافارقين وديار بكر . كان شاعرا كاتبا . ترسل إلى القسطنطينية مرارا إلى ملك الروم ، وجمع كتبا كثيرة ، وقسمها بين آمد وميافارقين وأوقفها . عاصر أبا العلاء المعري واجتمع به مرارا . توفي سنة -