دمه يسيل على ثيابه ، فقصد مصر وجرى له ما جرى « 1 » .
وشعره كله غرر ، لكني طربت لوصفه للأسد من قصيدته التي مدح بها بدر ابن عمّار بن إسماعيل الأسدي صاحب طرابلس ، وقد قتل أسدا ، فذكرتها هنا على عادتي في إيراد شيء من شعر الشاعر الذي أذكره وهي :
في الخدّ ان عزم الخليط رحيلا * مطر تزيد به الخدود محولا « 2 »
يا نظرة نفت الرّقاد وغادرت * في حدّ قلبي ما حييت فلو لا « 3 »
كانت من الكحلاء سؤلي إنّما * أجلي تمثّل في فؤادي سولا « 4 »
أجد الجفاء على سواك مروءة * والصّبر إلّا في نواك جميلا
وأرى تدلّلك الكثير محبّبا * وأرى قليل تدلّل مملولا
تشكو روادفك المطيّة فوقها * شكوى التي وجدت هواك دخيلا
ويغيرني جذب الزمان لقلبها * فمها إليك كطالب تقبيلا
حدق الحسان من الغواني هجن لي * يوم الفراق صبابة وعويلا « 5 »
حدق يذمّ من القواتل غيرها * بدر بن عمّار بن إسماعيلا « 6 »
الفارج الكرب العظام بمثلها * والتّارك الملك العزيز ذليلا « 7 »
محل إذا مطل الغريم بدينه * جعل الحسام بما أراد كفيلا « 8 »
نطق إذا حطّ الكلام لثامه * أعطى بمنطقه القلوب عقولا « 9 »
أعدى الزّمان سخاؤه فسخا به * ولقد يكون به الزّمان بخيلا
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان 1 / 122 - 123 .
( 2 ) الخد : خبر مقدم عن مطر . الخليط : العشيرة . المحول : الجدب ، والمراد بمحل الخدود ذهاب نضرتها من الحزن على فراق الأحبة .
( 3 ) الفلول : من فل السيف إذا كسر حرفه ، أي أن هذه النظرة للحبيبة تركت قلبه كالسيف المكسر لا يقوى على مقاومة النوائب .
( 4 ) الكحلاء : السوداء الجفون . السؤال : ما يتمناه الإنسان ويسأله . الأجل : منتهى الحياة .
( 5 ) الصبابة : رقة الشوق .
( 6 ) يذم : يجير أن ينقذ ، وغيرها منصوب على الاستثناء ، وبدر فاعل يذم ، أي أنه ينقذ من كل ما يقتل ما عدا أحداق الحسان .
( 7 ) الكرب جمع كربة : حزن يأخذ بالنفس .
( 8 ) المطل : التسويف بوعد الوفاء مرة بعد أخرى .
( 9 ) النطق : اللسان البليغ .