قلت : يحسن أن تكون هذه للعقرب رقية .
وقيل لأبي العبر : ما هذه المحالات التي تتكلم بها أي شيء أصلها ؟ قال :
أجلس على الجسر ومعي دواة ودرج « 1 » فاكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملّاح والمكاري حتى أملأ الدّرج من وجهين ثم أقطعه عرضا وألصقه مخالفا ، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه « 2 » .
ورؤي واقفا على بعض آكام سرّ من رأى وبيده اليسرى قوس ، وعلى يده اليمنى بأشق ، وعلى رأسه قطعة لحم في حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان وفي أيره شعر مفتول خيطا وقد شدّ فيه شصا « 3 » وألقاه في الماء للسمك وعلى شفته دوشاب قد لطخها به ، فقيل له : أيش هذا ؟ فقال : أصطاد بجميع جوارحي ، إذا مرّ بي طائر رميته عن القوس ، وإذا سقط قريبا مني أرسلت عليه الباشق ، واللحم على رأسي تجيء الحداة « 4 » لأخذه فتقع في الوهق « 5 » ، والدوشاب أصطاد به الذباب وأجعله في الشص للسمك « 6 » .
وقدم أبو العبر بغداد في أيام المستعين ، وجلس للناس وتحامق ، فبعث إليه إسحاق بن إبراهيم المصعبي وحبسه ، فصاح في الحبس ، معي نصيحة ، فأخرج وحمل إلى إسحاق فقال : هات نصيحتك ، قال : وتؤمّنني ؟ قال : نعم ، قال :
الكشكية أصلحك اللّه لا تصلح إلّا بالكشك ، فضحك إسحاق وقال : هو فيما أرى مجنون ، وقال له : لا إلّا أنا أمتخط حوت « 7 » ففهم ما قاله وتبسّم وقال :
أظن أني فيك مأثوم « 8 » ؟ قال : لا ولكنك فيّ ماء بصل ، فقال : أطلقوه وأخرجوه من بغداد « 9 » .
هامش
( 1 ) الأغاني 23 / 209 .
( 2 ) الأغاني 23 / 209 .
( 3 ) الشص : حديدة معقوفة يصاد بها السمك .
( 4 ) الحداة : وهو طائر من الجوارح ينقض على الجرذان والدواجن والأطعمة ونحوها .
( 5 ) الوهق : حبل يرمى به في أنشوطة فتؤخذ به الدابة أو الإنسان .
( 6 ) الأغاني 23 / 209 - 210 .
( 7 ) امتخط : مج ، وحوت : نون : فتصبح مجنون .
( 8 ) مأثوم ماء + ثوم ماء + بصل .
( 9 ) الأغاني 23 / 210 - 211 .