وابق في نعمة وفي جمع شمل * ببنيك الأفاضل الأنجاب
ما سرت نفحة الأزاهر تروي * ضحك الروض من بكاء السحاب
وأعقب ذلك بنثر صورته : المولى الذي إذا أخذ القلم ووشّى ، وأرى غباره أرباب البلاغة والإنشا . لا يرى على من رماه الدهر بسهمه ، ولعبت صوالج الأحزان بكرة فهمه . فمزج المدح بالرّثا ، وقابل النّصر بالغثا . فقد بان عذره ، واتّضح فعل الزمان به وغدره . وقد كنت قبل إدراج هذا الرّثاء في أثناء الجواب ، أرقت ذات ليلة من تجرّع صاب ذلك المصاب . فنفثت القريحة ، في تلك الليلة التي كاد أن لا يكون لها صبيحة :
[ الطويل ]
لقد كان روض الأنس يزهو بوردة * شذا كلّ عطر بعض نفحة طيبها
فمدّ إليها البين كفّ اقتطافه * وأمحل ذاك الرّوض بعد مغيبها
ولم يصف لي من بعدها كأس لذّة * وكيف تلذّ النفس بعد حبيبها
فروّي ثراها يا سحائب أدمعي * ومن لي بأن تروي بسحّ صبيبها
فقصدت أن أثبتها في ذيل الجواب وأخرياته ، لما عسى أن يكون من محفوظات مولانا ومروياته . وقد طال هذا ألهذا ، وطغى القلم بما هو للعين قذى . فلنحبس عنانه .
ونرح سمع المولى وعيانه .
286 - حفيده عليّ بن تاج الدين
فاضل نشر أدبه فأدهش مخبره ، وتنسّم صبا خلقه فعطّر المشامّ مسكه وعنبره . نشأ في حجر الكرم ، متفيّئا ظلّ حرم المجد المحترم . فطلع وفق ما اقتضته العناية ، ودلّت عليه كلمة الفضل بالصّريح والكناية . وقد رأيته وليس بينه والمنى حجاز ، وحقيقة فضائله لا يطرقها مجاز . فاستضأت حينا بمنظره البهيّ ، وتمتّعت آونة بلفظه الشهيّ . ورأيت أدبا كالعمر في ريعانه ، وسمعت شعرا كالشّباب في رونقه ولمعانه . فمما تناولته من شعره ، قوله من قصيدة أولها : [ الطويل ]
على مثلها من أعين كحلها السّحر * يهون الذي نلقى وإن عظم الأمر
فعنّي إلى غيري العداة عواذلي * فلي شرعة في الحبّ لستم بها تدروا
دعوني وما ألقاه من حبّ شادن * محاسنه لي في الغرام به عذر
من التّرك لمّا في الحياصة قد بدا * رأت هالة عيني ومنه بها بدر
يريك جنيّ الورد من وجناته * ويبسم عن زهر الأقاح له الثّغر
تعلّقته بادي النّفار كأنه * غزال قد استولى على قلبه الذّعر
فما زلت أسقي قاسيا من طباعه * مدامة لطف مزج أكؤسها التّبر