سبّاق غايته ، وحامل رايته ، وحافظه الذي ملك جلّ روايته ودرايته . شرح الله لتحفّظه صدره ، وأعلى به في الخافقين قدره . فحدّث إذا حدّث عن البحر ولا حرج ، وانظر من رياض الجنّة طيّبة الأرج . إلى ما حوى من فنون أربى فيها على حلفائه ، وهناك حسن حال مع اللّه ألحقه بأتقياء الدّين وحنفائه . تتّعظ به النفوس في التكلّم والسكوت ، ودعوته لا تحجب عن الملك والملكوت . وله تصانيف تشنّف بها آذان ومسامع ، وودّت صحائف الأذهان لو أنها لها دفاتر ومجامع . وله شعر ربما أجاد فيه ، فلم يحك مثاله من الزّلال العذب صافيه . فمنه قوله : [ الطويل ]
وزمزم قالوا فيه بعض ملوحة * ومنه مياه العين أحلى وأملح
فقلت لهم قلبي يراها ملاحة * فما برحت تحلو لقلبي وتملح
وقوله : [ البسيط ]
يا ربّ أنت حبست الحسن في قمر * حلو الشّمائل لا يرثي لمن عشقه
أكاد أدعو عليه حين يهجرني * لكن لفرط غرامي تمنع الشّفقه
وقوله : [ المجتث ]
يا مالكا رقّ قلبي * رفقا بنفس رفيقك
الله بيني وبين السّ * واك في رشف ريقك
وقوله : [ المجتث ]
يا من يلوم محبّا * ولا يراعي الجمالا
بالله دعني فإنّي * لقد فنيت انتحالا
وقوله مضمّنا : [ البسيط ]
كتبته ولهيب الشوق في كبدي * والدمع منسكب والبال مشغول
وقلت قد غاب من أهواه وا أسفي * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
ومن زهرياته ، قوله في عقد الحديث : [ الوافر ]
إذا أمسيت فابتدر الصّباحا * ولا تمهله تنتظر الصّياحا
وتب ممّا جنيت فكم أناس * قضوا نحبا وقد ناموا صحاحا
ومما يعجب في هذا المعنى قول الشّهاب : [ الطويل ]
ألا أيّها المغرور في نوم غفلة * تيقّظ فإن الدّهر للناس ناصح
فكم نائم في أوّل الليل غافل * أتاه الرّدى في نومه وهو صابح