لنا نفوس لنيل المجد راغبة * ولو تسلّت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد إلّا في منازلنا * كالنّوم ليس له مأوى سوى المقل
والقائل عند المجادلة في مقام المباهلة : [ الكامل ]
نحن الذين غدت رحى أحسابهم * ولها على قطب الفخار مدار
المملوك يقبّل الأرض التي ينال بها القاصد ما يؤمّله ويرتجيه ، وينهي أنه نظم بعض الجهابذة الأعيان بيتين في التّشبيه . والسبب الدّاعي لهما ، والمعنى المقتضي لنظمهما .
أنه أبصرت العين ظبيا يرتع في رياضه ، ويمنع بسيوف لحاظه عن ورود حياضه . يرى العاشق سيآته حسنات جاد بها وأحسن ، ويعترف له بالحسن كل حسن في الأنام وابن أحسن . بدا وهو الجوهر السالم من العرض وظهر وعليه أثر من آثار المرض .
فأراد المشبّه تشبيهه في هذه الحالة ، فشبّهه بغصن ذابل قائلا لا محالة . ونظم ذلك المعنى ، فشدا بما قاله صادح الفصاحة وغنّى . وهو : [ الوافر ]
بدا وعليه أثر من سقام * كمكحول من الآرام ساهي
فخيّل لي كبدر فوق غصن * ذوى للبعد من قرب المياه
فاعترض معترض عالم بالإصدار والإيراد ، قائلا : إن البيت الثاني لا يؤدّي المعنى المراد . إذ القصد تشبيهه بالغصن الموصوف ، وليس المراد تشبيهه بالبدر فالبدر لا يوصف إلّا بالخسوف . فطالت بين المعترض والمعترض عليه المنازعة ، ولم يسلّم كلّ واحد منهما للثاني ما جادل فيه ونازعه . فاختارا القاضي الفاضل حكما ، ورضيا سيّدنا حاكما ومحكّما . فليحكم بما هو شأنه وشيمته من الحق ، وليتأمّل ما عسى أن يكون قد خفي عن نظرهما ودقّ . والأقدام مقبلة ، وصلّى الله على سيّدنا محمد ما هبّت الرّيح المرسلة . فأجابه بقوله : سيّدنا الإمام الهمام ، الذي أضحى علم الأئمة الأعلام . الإمام المقتدى به وإنما جعل الإمام ، الحبر الذي قصرت عن استيفاء فضائله الأرقام
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[ لقمان : 27 ] .
وارث الجلالة عن آبائه الذين زهت بذكراهم الأخبار والسّير ، المقيم من نفسه العصاميّة على ذلك أوضح دلالة يصدّق فيها الخبر الخبر . الحريّ بما استشهد به في شأن المملوك ، السّالك من الكمال طريقة عزّ على غيره فيها لعزّتها السّلوك . يقبّل المملوك الأرض بين يديه ، ويؤدّي بذلك ما هو الواجب عليه . وينهي وصول المثال العالي ، الفائقة جواهر كلماته على فرائد اللّآلئ . يتضمّن السؤال عن بيتي ذلك الجهبذ ، في الشّأن الذي قضى حسنه أن تسلب الأرواح وتؤخذ . ومنع حبّه الكلام الألسن ، وكان الدليل على ذلك اعتراف ابن أحسن . فإنه ذو النّظر العالي المدرك حقيقة الكنه ، فإذا تنوّر من أذرعات أدنى ما تنوّره إلى قيد شبر منه . فتأمّل المملوك ما وقع من تلك المعارضة ، التي أفضت إلى التّحكيم والمفاوضة . فإذا المتعارضان قد مزجا في حلو