عاش حينا في حانوت ينسج حللا ويوشّيها ، ويطرّز متون القراطيس بحبر أقلامه ويحشّيها .
ولديه تنشد ضوالّ اللّغة والإعراب ، وتقف الآراء حيرى في محاسنه بين الإعجاب والإغراب .
فشدّت نحوه المطايا ، وأشرقت فضائله كبيض العطايا .
وشفّت ظروف حروف مبانيه ، فنمّت عن سلافة لطافة معانيه .
كما نمّ الزّجاج على الصّهبا ، والنّسيم عن شذا الرّبى .
ومع أنه شيخ الوقار ، له كلمات يعصر منها العقار .
فمن جاراه في طرف الرّقّة ، بعدت عليه الشّقّة .
وكانت لديه مقاصد ، يلوح منها للمنى مراصد .
أيّام عيشه بالمرّة مؤتلف ، والحظّ غاد إليه ومختلف .
حتى أغري الدّهر بشمله ففرّقه ، وأضري ببرد ائتلافه فمزّقه .
بسبب غرض نقم عليه ، وكاد يسوق الحتف إليه .
فخرج مع البازيّ إلى بلاد العجم ، وثمّت طلع كوكب إقباله ونجم .
ودعاه الشّاه عبّاس للرئاسة فأجاب ، وأراه من كمال التّقرّب الأفق المنجاب .
فأقام والأهواء إليه منساقة ، إلى أن دعاه داعي الحتف إلى اللّحد فأجابه وساقه .
وقد أوردت له من شعره الذي يباهي الدّيباج الخسروانيّ ، ما يستعير اللّطف منه الرّاح الأرجوانيّ .
فمن ذلك قوله معمّيا باسم مراد : [ م . الوافر ]
إذا خيّرت بين الثّغ * ر والصّهباء من حبّي
أقدّم ثغر من أهوى * على ما دار بالقلب
وقوله : [ م . الرمل ]
صبّر الرحمن صبا * ذاق هجران حبيبه
هامش
القواعد » و « نهج النجاة فيما اختلف فيه النحاة » وغير ذلك . قرأ بدمشق وحصل وسما ، وحضر دروس العمادي المفتي ، وطلبه المولى يوسف بن أبي الفتح لإعادة درسه فحضره أياما ثم انقطع فسأل الفتحي عن سبب انقطاعه فقيل أنه لا يتنزل لحضور درسك ، فكان ذلك الباعث على إخراجه من دمشق ، وسعى الفتحي عند الحكام على قتله بنسبة الرفض إليه ، وتحقق هو الأمر ، فخرج من دمشق إلى حلب هاربا ، ثم دخل بلاد العجم فعظمه سلطانها شاه عباس وصيره رئيس العلماء في بلاده ، وكان وهو بدمشق خامل الذكر ، وكان يصنع القماش العنايات المتخذ من الحرير ولذلك قيل له الحريري ، وكان كثير من الطلبة يقصدونه وهو في حانوته يشتغل فيقرؤون عليه ولا يشغله شاغل عن العلم .
وكانت وفاته بديار العجم في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف .
والحرفوشي نسبه لآل الحرفوشي ، أمراء بعلبك . ا . ه . خلاصة الأثر ( 4 / 49 ) .