وقد قيل : التّصوّف تبصّر في الرّشاد ، وتشمّر للمعاد ، وتسابق إلى العتاد .
قال عبد الرحمن بن يزيد رحمه اللّه : كنّا نغازي مع عطاء ، وكان يحيي الليل صلاة ، فإذا ذهب نصفه ، نادانا وهو في فسطاطه ، فيسمعه كلّ من في الغزاة :
يا فلان ، وفلان ، قوموا وتوضّؤوا وصلّوا ، فإنّ قيام اللّيل وصيام « 1 » النهار أيسر من شراب الصّديد ، ومقطّعات الحديد ، الوحا الوحا « 2 » ، النجا النجا ، ثمّ يقبل على صلاته .
وكان يقول : لا أوصيكم بدنياكم ، أنتم بها مستوصون ، وعليها حريصون ، وإنّما أوصيكم بآخرتكم آخرتكم ، تعلمنّ أنّه لن يعتق عبد ، وإن كان في الشّرف والمال ، وإن قال أنا فلان بن فلان ، حتّى يعتقه اللّه من النار ، فمن أعتقه اللّه منها عتق ، وإلّا كان في أشدّ هلكة هلكها « 3 » أحد قطّ ، فجدّوا « 4 » في دار العمل لدار الثواب ، وفي دار الفناء لدار البقاء ، فإنّما سمّيت الدّنيا لأنّها أدنى فيها العمل لدار الثواب ، وإنّما سمّيت الآخرة لأنّ كلّ شيء فيها متأخّر ، وليس فيها عمل ، فألصقوا إذا أذنبتم لكلّ ذنب : اللهمّ اغفر لي ، فإنّه التسليم لأمر اللّه ، وألصقوا إلى الذنوب : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، اللّه أكبر كبيرا ، الحمد للّه ربّ العالمين ، وسبحان اللّه وبحمده ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، وأستغفر اللّه ، وأتوب إليه ، فإذا نشرت الصحف ووجد هذا الكلام لاصقا بالخطايا رجي له المغفرة ، قال تعالى :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[ هود :
114 ] .
وقال : مجالس الذّكر هي مجالس الحلال والحرام .
هامش
( 1 ) في الأصل : شراب ، والمثبت من مصادر الترجمة : الحلية : 5 / 193 ، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 79 ، تهذيب الكمال : 20 / 111 ، سير أعلام النبلاء :
6 / 143 .
( 2 ) الوحا الوحا : أي السرعة السرعة ، يمدّ ويقصر ، وهو منصوب على الإغراء . لسان العرب ( وحي ) .
( 3 ) في الأصل : ملكة ملكها ، والمثبت من حلية الأولياء : 5 / 194 .
( 4 ) في الأصل : فخذوا ، والمثبت من الحلية .