نفوس أهل المحبّة فهي لا تحنّ إلّا إليه . فقلت له : السّلام عليك يا حليف الأحزان ، وقرين الأشجان ، وإلف فقد السّكن ، وطول الظّعن في مفارقة الصبر والعزاء ، فقال : وعليك السلام أيّها الرجل ، ما أوصلك إلى مكان من أفرده خوف المساءلة عن الأنام ، ومن هو مشتغل بما هو من محاسبته لنفسه عن التنطّع في الكلام ، فقلت له : أوصلني إليك الآثار ، والرّغبة في التصفّح « 1 » والاعتبار ، [ فقال لي : يا فتى ] « 2 » إنّ للّه عبادا قدح في قلوبهم زند الشّغف نار الومق « 3 » ، فأرواحهم بشدّة الاشتياق إليه تسرح في الملكوت ، وبأبصار أحداق القلوب ينظرون إلى ما ادّخر لهم في حجب الجبروت ، فقلت : صفهم لي ، فقال : أولئك قوم أووا إلى كنف رحمته ، يا سيّدي ألحقني بهم ، ووفّقني لأعمالهم ، فقد نالوا ما أرادوا ، لأنّك كنت لهم مؤدّبا ، ولعقولهم مؤيّدا ، فقلت : أوصني ، فقال : أحبّ اللّه شوقا إلى لقائه ؛ فإنّ له يوما يتجلّى فيه لأوليائه ، ثم أنشأ يقول :
قد كان لي دمع فأفنيته * وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته * وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيّدي ناظر * أرى به الحقّ فأعميته « 4 »
عبدك أضحى سيّدي مدنفا * لو شئت قبل اليوم داويته
ثمّ قال :
مدامعي فيك قريحات * بالخوف والوجد فضيحات
أقلقها « 5 » زرع نبات الهوى * أجفانها مرضى صحيحات
طوبى لمن عاش وأجفانه * من المعاصي مستريحات
مات رضي اللّه عنه في القرن الثالث .
هامش
( 1 ) في الحلية : الصفح .
( 2 ) ما بين معقوفين مستدرك من الحلية .
( 3 ) الومق : الحب ، وفي الأصل : الرمق .
( 4 ) في المثبت من روض الرياحين : أرى به الخلق .
( 5 ) في الأصل : أقلعها ، والمثبت من الحلية .