وكان طول دهره باكي العين ، إنّما يتّبع جنازة ، أو يعود مريضا ، أو يدور في المقابر ، حتّى توفّي في القرن الثالث .
* * *
( 329 ) عبّاس المعروف بالمجنون « * »
كان في الشوق مضنونا ، وعن الخلق مخزونا ، ولمحبوبه ساهرا « 1 » ، وعن بني جنسه سائرا .
قال ابن المبارك رضي اللّه عنه : صعدت جبل لبنان ، فإذا برجل عليه جبّة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشترى ، قد اتّزر بمئزر الخشوع ، واتّشح ببرد القنوع ، وتعمّم بعمامة التوكّل ، فلمّا رآني اختفى وراء شجرة ، فناشدته اللّه فظهر ، فقلت له : إنّكم معاشر العبّاد تصبرون على الوحدة ، وتقاسون هذه القفار الموحشة ، فضحك ووضع كمّه على رأسه ، وقال « 2 » :
يا طبيب « 3 » القلوب من لي سواكا * ارحم اليوم مذنبا قد أتاكا
أنت سؤلي ومنيتي وسروري * قد أبى القلب أن يحبّ سواكا
يا مناي وسيّدي واعتمادي * طال شوقي متى يكون لقاكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم * غير أنّي أريدها لأراكا
ثم غاب عنّي ، فتعاهدت ذلك الموضع سنة لأقع عليه ، فلم أره ، فلقيني غلام أبي سليمان الدّاراني رحمه اللّه ، فسألته عنه ، وأعطيته صفته ، فبكى وقال :
وا شوقاه إلى نظرة أخرى منه ، فقلت : من هو ؟ فقال : ذاك عبّاس المجنون ، يأكل في كلّ شهر أكلتين من ثمار الشجر أو نبات الأرض ، يعبد منذ ستّين سنة .
هامش
* حلية الأولياء : 10 / 145 ، صفة الصفوة : 4 / 350 . عقلاء المجانين 258 .
( 1 ) في الأصل : سامرا ، والمثبت من الحلية .
( 2 ) نسب اليافعي في روض الرياحين 159 ( حكاية 75 ) الأبيات إلى امرأة متعلقة بأستار الكعبة .
( 3 ) في حلية الأولياء وصفة الصفوة وعقلاء المجانين : حبيب .