ونذيراي شيبتي وسقامي يؤنساني ، وخاضعاي « 1 » حرصي وأملي يطمعاني ، وأنا لذو نفسين ، نفس تكره الحمام ، وتحبّ المقام ، ونفس موطّنة بالارتحال ، والهة بالانتقال ، على أنّ الحقّ يغلب الباطل ، كما يغلب حلم الحليم سفه الجاهل ، ثم أنشأ يقول :
صاح بي الشّيب : لا مقام * وبيّن الرّجعة السّقام
صوتان قد أزعجا وحثّا * عمري وراعاني « 2 » الحمام
لا آمن الدّهر والمنايا * إذ كلّ عمر له انصرام
مات في الثالث .
* * *
( 42 ) أبو تراب الرّملي « * »
خرج سنة من مكّة ، فقال لأصحابه : خذوا أنتم على طريق الجادّة ، وأنا أذهب على طريق تبوك ، فقالوا : الحرّ شديد ، قال : لا بدّ ، لكن إذا دخلتم رملة ، فانزلوا عند فلان ، فذهبوا كما أمرهم ، ونزلوا على صاحبه ، فقدّم إليهم أربع قطع لحما ، فجاءت حدأة فأخذت منهنّ قطعة ، فقلنا : لم تكن رزقنا ، فبعد يومين خرج أبو تراب من المفازة « 3 » ، وتلاقينا معه ، وقلنا له : هل وجدت في الطريق شيئا ؟ قال : لا ، إلّا أنّ حدأة أرمت لي وقت كذا قطعة شواء حارّ ، فأخبرناه الخبر ، فقال : كذا الصدق ، جعلنا اللّه من أهله .
مات في الثالث ، رضي اللّه عنه .
* * *
هامش
( 1 ) في الحلية : 10 / 183 : يؤيساني ، وخادعاي .
( 2 ) في الحلية 10 / 184 : راعني .
* حلية الأولياء : 10 / 164 ، نفحات الأنس 111 / أ .
( 3 ) في الأصل : المغارة ، والمثبت من حلية الأولياء .