وولي قضاء القضاة على مذهب الشّافعي ، فباشره مع عفّة وشهامة وضرامة .
وكان كثير العطاء ، حتى إنّه ركبه الدّين بسبب ذلك .
قال ابن جماعة : قلت له وأنا بالقاهرة ، وأمين الحكم عنده : أنا أشحّ عليك باستدانتك ، فأجعل جامكيّة « 1 » الكاملية « 2 » للدّين ، والفاضليّة « 3 » للكلفة .
واشتدّت عليه الفاقة حتى إنّه احتاج لشمعة في بعض الليالي فلم يجد ثمنها .
وألجأته الضّرورة أن مدح صاحب اليمن :
يحاول أرباب الفضائل إذ رأوا * بضاعتهم موكوسة الحظّ في الثمن
وقالوا عرضناها فلم نلق طالبا « 4 » * ولا من له في مثلها نظر حسن
ولم يبق إلّا رفضها واطّراحها * فقلت لهم لا تجعلوا السّوق باليمن
فأرسل إليه مائتي دينار .
ولم تزل مرتبته عليّة .
وسافر للبهاء بإسنا حتى دفع له بعض الدّراهم .
وكان شديد المحاسبة لنفسه ، حتى قال للتّاج الدّشناوي : يا فقيه ، فزت بزيارة الشّيخ عبد العظيم « 5 » ؟ قال : وبرؤيتكم . قال : هو أدين منّي ، وأنا أعلم منه .
هامش
( 1 ) الجامكية : الأجر والراتب . متن اللغة ( جمك ) .
( 2 ) تعرف هذه المدرسة بدار الحديث الكاملية ، أنشأها بخط بين القصرين الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي سنة 622 ه ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي ، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية . وما زالت باقية حتى اليوم وتعرف بجامع الكاملية انظر صبح الأعشى 3 / 363 ، خطط المقريزي 2 / 375 ، الخطط الجديدة 2 / 13 .
( 3 ) المدرسة الفاضلية : بدرب ملوخيا من القاهرة ، بناها القاضي الفاضب عبد الرحيم بن علي البيساني سنة 580 ، ووقفها على طائفة الفقهاء الشافعية والمالكية . الخطط المقريزية 4 / 197 .
( 4 ) في الطالع السعيد 595 : فلم نلف .
( 5 ) هو زكي الدين عبد العظيم المنذري .