فضحك وقال : كيف تدّعي أن « 1 » عرفت علمها ؟ ! وقد أخذناها منك فتجرّدت من معرفتها ، وبقيت بلا علم ، فأنطقه اللّه لإرشاده ، فأقبل على التجرّد وساح .
ورآه بعضهم في البريّة ، وعليه مرقّعة ، وبيده ركوة وعكّاز بعد أن كان رآه يحضر مجلسه ثلاث مائة مدرّس ، ومائة من أمراء بغداد ، فقال : يا إمام ، أليس تدريس العلم أولى ؟ فنظر إليه شزرا ، وقال : لمّا بزغ بدر السّعادة في فلك الإرادة وجنحت شمس العقول إلى مغرب الوصول .
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل * وعدت إلى مصحوب أوّل منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه « 2 » * منازل من تهوى رويدك فانزل
وكان شديد الذّكاء ، عجيب الفطنة « 3 » ، مفرط الإدراك ، قويّ الحافظة ، بعيد الغور ، غوّاصا على المعاني الدّقيقة ، عالي الرّتبة ، زائد الحشمة ، تضرب بكماله الأمثال ، وتشدّ إليه الرّحال ، حتى عزفت نفسه عن « 4 » رذائل الدّنيا ، فرفض ما فيها من التّقدّم والجاه ، وترك ذلك وراء ظهره ، وأقبل على قدم الفقر والتّجريد بعد الحجّ والتّقديس .
ثم ذهب للشام ، فأقام بمنارة الجامع الأموي نحو عشر سنين ، فلمّا عرف فارقها ، ثم جال في البلدان وزار المشاهد ، وطاف على التّرب والمساجد ، وأوى القفار ، وراض نفسه وجاهدها جهاد الأبرار ، حتى صار قطب الوجود ، والبركة العامّة لكلّ موجود ، والطّريق الموصلة إلى رضا الرّحمن ، والمنهاج بالتّصوّف إلى مركز الإيمان .
ثم عاد إلى بغداد ، وتكلّم على لسان أهل الحقيقة ، وقلبه معلّق بما فتح عليه من الطّريقة .
هامش
( 1 ) في المطبوع : أنك .
( 2 ) في الأصول : وناديت في الأسواق مهلا . والمثبت من روض الرياحين 509 ( حكاية 468 ) .
( 3 ) في ( أ ) و ( ب ) عجيب الفطرة .
( 4 ) في المطبوع : حتى غرقت نفسه من .