مفتونا ، فيا من جعل سمعي وعاء لعلم عجائبه ، وفهمي منبعا لذكره « 1 » ، ويا من منّ عليّ بمواهبه اجعلني بحبلك « 2 » معتصما ، وبجودك متمسّكا ، وبجنابك متّصلا ، وأكمل نعمتك عندي بدوام معرفتك في قلبي .
وقال : جالس من الناس من يقهرك برهانه ، وتخوّفك رؤيته ، ويخبرك عن نفسك بما هو أعلم به منك .
وقال عن ذي النون المصري : ما بعد طريق أدّى إلى صديق ، ولا ضاق مكان بحبيب .
وقال عن الجنيد : أوصيك بترك الالتفات « 3 » إلى كلّ حال ماضية ؛ فإنّ الالتفات إلى ما مضى يشغل عمّا هو أولى من الحالة الكائنة ، وبترك الملاحظة للحال الكائنة ، وبترك المنازلة لها بجولان الحكمة بنقل المستقبل « 4 » من الوقت الوارد بذكر مورده وموجوده ، فإذا كنت هكذا لم يضرّك رؤية الأشياء ، وأوصيك بتجريد الهمّ ، وتفريد الذّكر ، ومخالطة الرّبّ ، واعمل على تخليص همّك من همّك لهمّك ، وطالب الخلاص الخالص من ذكر اللّه بقلبك « 5 » ، وكن حيث يراد منك ، ولا تكن حيث لا ترى ذلك لما تريده « 6 » لنفسك ، واعمل على محق شاهدك من شاهدك حتى يكون الشّاهد عليك شاهدا لك وبك ومنك ، ثم اخلص من شاهدك شاهدا منيعا كبير السّطوة عظيم الشّأن ، فإذا كنت هكذا كان لك بكلّ الكلّ فيما يحبّه منك ، وكن مؤثرا لكلّ ما انبسط لك منك ومنه بك لك ومنه به له ينبسط لك ما لا يحيط به علمك .
وقيل له : ما لك إذا رأيت العاصي لا تحقد عليه ولا تقبّح فعله ؟ قال : لأنّي انظر إلى الصانع في الصّنيع ، فيهون عليّ المصنوع .
هامش
( 1 ) في المطبوع : منتبها لذكره .
( 2 ) في المطبوع : بحبّك .
( 3 ) في ( ب ) : علامة الانقطاع عن اللّه الالتفات .
( 4 ) في ( أ ) لفعل المستقبل .
( 5 ) في المطبوع : لقلبك .
( 6 ) في ( ب ) : ولا تكن حيث ترى ذلك ولما تريده .