وتطيّب ، ولبس ثيابا جددا ، وتعمّم ، وقعد على منصّة بخضوع وخشوع ووقار ، ويبخّر المجلس من أوّله إلى آخره بعود أدبا مع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بلغ من تعظيمه له أنّه لدغته عقرب ، وهو يحدّث ستّ عشرة مرّة ، فصار يصفرّ ويتلوّى ، حتى تمّ المجلس ، وتفرّق النّاس ، وقال : صبرت إجلا لا للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم .
وكان ربّما يقول للسّائل : انصرف ، حتى انظر . فقيل له فيه ، فبكى وقال :
أخاف أن يكون لي من السّائل يوم ، وأيّ يوم .
وكان إذا أكثروا سؤاله كفّهم وقال : حسبكم ، من أكثر أخطأ ، ومن أحبّ أن يجيب عن كلّ مسألة فليعرض نفسه على الجنّة والنّار ثم يجيب ، وقد أدركناهم إذا سئل أحدهم فكأنّ الموت أشرف عليه .
وسئل عن ثمان وأربعين مسألة ، فقال في اثنتين وثلاثين : لا أدري .
وقال : ينبغي للعالم أن يورّث جلساءه ( لا أدري ) ليكون أصلا في أيديهم يفزعون إليه .
وكان إذا شكّ في الحديث طرحه ، وإذا قال أحد : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبسه بالحبس ، وقال : تصحّح ما قاله ، ثم تخرج .
وكان يقام بين يديه الرّجل كما يقام بين يدي الأمراء .
وكان شديد التمسّك بالسّنّة ، وكثيرا ما ينشد :
وخير أمور الدّين ما كان سنّة * وشرّ الأمور المحدثات البدائع
وناهيك بقول الإمام أحمد رضي اللّه عنه فيه : إذا رأيت الرّجل يكرهه فاعلم أنّه مبتدع .
وألّف « الموطّأ » في أربعين سنة ، فأكثر النّاس من عمل الموطّآت ، فقيل له :
شغلت نفسك بعمله ، وقد أشركك النّاس فيه . فقال : لتعلمنّ ما أريد به وجه اللّه ، فكأنّما ألقيت تلك الموطّآت في الآبار « 1 » .
وكان يقول عند قيامه : ما شاء اللّه ، ولا قوّة إلّا باللّه .
هامش
( 1 ) الخبر في ترتيب المدارك 1 / 195 مع زيادة .