قال الغزالي رحمه اللّه : وكان عظيم الورع ، جدّا ، ففعل ابن له كتابا على لسانه إلى عمر بن عبد العزيز ، فأعطاه ثلاث مائة دينار ، فباع طاوس ضيعة له ، فبعث بها إلى عمر ، هذا مع أنّ السّلطان مثل عمر .
قال الغزالي رحمه اللّه : فهذه هي الدّرجة العليا في الورع .
ودخل على أخي الحجّاج « 1 » في غداة باردة ، فقال لغلامه : هلمّ الطّيلسان ، فألقه عليه . فحرّك كتفيه حتى سقط ، فغضب غضبا شديدا ، فقيل له : كنت غنيّا عن غضبه ، لو أخذته وتصدّقت به . قال : نعم ، لولا أن يقال بعدي : أخذه طاوس ولا يصنع ما أصنع به .
وأدخل على هشام بن عبد الملك ، فقال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب ، وقال : لم لا تخاطبني بإمرة المؤمنين ؟ قال : لأنّ جميع المؤمنين ما اتّفقوا على خلافتك ؛ فخفت الكذب .
فمن أمكنه « 2 » أن يتحرّز هذا التّحرّز فليخالط النّاس ، وإلّا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين .
ومن كلامه :
لا تنزل حاجتك بمن يغلق دونك بابه ، ويجعل دونها حجّابه ، بل أنزلها بمن بابه لك مفتوح ، وفضله لك ممنوح ، وأمرك أن تدعوه ، ووعدك بالإجابة وبالفتوح .
وقال : ما من شيء يأتي من ابن آدم إلّا أحصي عليه ، حتى أنينه في مرضه .
وقال : لا يتمّ نسك الشّابّ حتّى يتزوّج .
واستأذن رجل عليه ، فخرج له شيخ ، فقال : أنت طاوس ؟ قال : ابنه .
قال : إن كنت ابنه ، لقد خرف . قال : إنّ العالم لا يخرف . ثم قال : إذا دخلت
هامش
( 1 ) وهو محمد بن يوسف استعمله الحجاج على اليمن ، توفي سنة 91 للهجرة .
( 2 ) في ( أ ) : قال الغزالي : فمن أمكنه . . .