وكان يقول لنفسه : قومي يا مأوى كلّ سوء ، وينادي : اللّهمّ ، إنّ النّار منعتني من النّوم فاغفر لي .
ورآه كعب الأحبار بالشّام ، فقال : هذا راهب هذه الأمّة .
وكان إبليس يتمثّل له كالحيّة فيتلوّى في محلّ سجوده ، فإذا وجد ريحه نحّاه بيده ، ويقول : لولا نتنك لم أزل عليك ساجدا .
وصلّى يوما فدخلت حيّة من ذيله ، وخرجت من جيبه ، فقيل له : لم لا تنحّيها ؟ قال : واللّه ، ما أعلم بها حين تدخل ولا حين تخرج ، وإنّي لأستحي من اللّه أن أخاف غيره .
وجاءه أسد من خلفه ، فوضع يديه على كتفيه وهو يتلو :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
[ هود : 104 ] فما قطع تلاوته ، فلمّا وجده الأسد لا يكترث به ذهب .
ومن كلامه :
أحببت اللّه حبّا سهّل عليّ كلّ مصيبة ، ورضّاني بكلّ قضيّة ، فما أبالي مع حبّي إيّاه ما أصبحت عليه .
وقال : في الدّنيا الهمّ والحزن ، وفي الآخرة النّار والحساب ، فأين الرّاحة والفرح ؟
وكانت تكتنفه السّباع ، وتثب عليه فلا يكترث بها ، ويقول : عظمت هيبة اللّه في صدري حتّى ما أهاب شيئا غيره .
وقال : عليك بما يرغّبك في الآخرة ويزهّدك في الدّنيا ، ويقرّبك إلى اللّه .
وقال : أصفى النّاس إيمانا يوم القيامة أشدّهم محاسبة لنفسه ، وأشدّهم فرحا في الدّنيا ، أشدّهم حزنا يوم القيامة ، وأكثرهم ضحكا في الدّنيا ، أكثرهم بكاء يوم القيامة .
ورأى ذمّيّا يظلم فخلّصه ، وكان شديدا في الأمر بالمعروف ، فكان ذلك سببا لتسييره ، فلمّا سيّر للشّام شيّعه إخوانه إلى ظهر المربد « 1 » ، فقال : إنّي داع
هامش
( 1 ) المربد : من أشهر محال البصرة ، وكان به سوق الإبل ، ثم صار محلة عظيمة سكنها -