وغزا إفريقية وفتحها ، واستمرّ بمكّة خليفة ، وعمر الكعبة ، حتى تغلّب عبد الملك بن مروان فجهّز لقتاله الحجّاج في سبعين ألفا ، فقتله سنة ثلاث وسبعين في المسجد الحرام بعد ما رمى الكعبة بالمنجنيق ، وصلبه على باب الكعبة ، وعلّق بجانبه كلبا ميتا ، ومنع من دفنه مدّة .
ومرّ عليه ابن عمر وهو مصلوب منكّس ، فقال : رحمك اللّه ، فإنّك ما علمت ، صوّاما قوّاما ، وإنّي لأرجو ألّا يعذّبك اللّه أبدا ، أخبرني أبو بكر رضي اللّه عنه أنّ المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من يعمل سوءا يجز به » « 1 » .
وكان له مائة غلام ، يتكلّم كلّ منهم بلغة ، فيكلّم كلّا منهم بلغته .
وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت : رجل لم يرد اللّه طرفة عين ، أو في أمر أخراه قلت : رجل لم يرد الدّنيا طرفة عين .
وكان يطيل السّجود حتّى يسقط الطّير على ظهره ، يظنّه جدارا .
وكان يصلي في الحجر ، والمنجنيق يصبّ توبه « 2 » فلا يلتفت إليه .
وكان أطلس ، لا لحية له .
ومن كلامه :
أمّا بعد ، فإنّ لأهل التّقوى علامات يعرفون بها ، ويعرفونها من نفوسهم ، من صبر على البلاء ، ورضى بالقضاء ، وشكر للنّعماء « 3 » ، وذلّ لحكم القرآن .
قتل في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ، وحملت رأسه إلى خراسان ، رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه ورضي عنّا به ، ولعنة اللّه على قاتله ، ومن رضي بذلك آمين .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية 1 / 334 ، والحاكم في المستدرك 3 / 552 ، 553 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 12 مختصرا وقال : رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات .
( 2 ) في الأصل : والمنجنيق يصيب ثوبه . والمثبت من سير أعلام النبلاء 3 / 369 ، قال محققه : والتوب حجر المنجنيق .
( 3 ) في المطبوع : وذكر للنعماء . والمثبت من ( أ ) وحلية الأولياء 1 / 336 .