ومنامه متابعا ، يقتدي به في كلّ أحواله ، ويتأسّى به في جميع أفعاله ، وقد قيل :
التّصوف استقامة المناهج ، والتّطرّق إلى المباهج .
قال الغزالي رحمه اللّه : ولما ولي الخلافة كانت له زوجة يحبّها ، فطلّقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيطيعها ويطلب رضاها ، وهذا من ترك ما لا بأس به مخافة ممّا به بأس .
ودخلت له بنته وهو يقسم مال بيت المال ، فأخذت درهما ، فنهض في طلبها حتى سقطت ملحفته عن أحد منكبيه ، ودخلت الصّبية البيت تبكي ، وجعلت الدّرهم في فيها ، فأدخل إصبعه فأخرجه وطرحه على الخراج ، وقال :
أيّها النّاس ، ليس لعمر ولا لآل عمر إلّا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم .
وكسح « 1 » أبو موسى بيت المال ، فوجد درهما ، فمرّ به بنيّ لعمر ، فأعطاه له ، فرآه في يده فقال : أعطانيه أبو موسى . فقال : يا أبا موسى ، ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر ، أردت أن لا يبقى من أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أحد إلّا طالبنا بمظلمته ؟ وردّ الدّرهم لبيت المال .
وكان يستهدي عيوبه من إخوانه ويقول : رحم اللّه امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ، وعرّفه ذنوبه .
وقال في خطبته : لو صرفناكم عمّا تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم تصنعون ؟ فسكتوا ، فكرّره ، فقال عليّ رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين ، إذن نستتيبك ، فإن تبت قبلناك ، وإلّا ضربنا الذي فيه عيناك . فقال : الحمد للّه الذي جعل في هذه الأمّة من إذا اعوججنا أقام أو دنا « 2 » .
وكان على غاية من التّقشّف ، يخطب وهو خليفة بإزار فيه اثنتا عشرة رقعة ، وقميص فيه أربع رقاع وليس له غيرهما ، وأبطأ يوما عن الخروج للجمعة ، ثمّ اعتذر بأنّه كان يغسل ثوبه ، وليس له غيره .
هامش
( 1 ) كسح : كنس . القاموس ( كسح ) .
( 2 ) الأود : الاعوجاج . النهاية ( أود ) .