ومات في السنة المذكورة قاضيا بعساكر الروم . وكان أصغرهم وأقلّهم علما ، ولكن كانت الدولة تراعيه لمكان أبيه من الرفعة .
ولما كان ابنه محمد قاضيا بالشام كتب إليه من القسطنطينية مكتوبا ينصحه فيه ويحذّره من الرشاء في قضائه . وكتب له في المكتوب هذين البيتين وأظنهما للفارضي المصري :
ألا خذ الحكمة « 1 » منّي * وخلّ القيل والقالا
فساد الدين والدنيا * قبول الحاكم المالا
والعجب أنّ المفتي المذكور ألّف تفسيرا عظيما مقبولا عند الخاصّ والعام . وعبارته غاية في الفصاحة والبلاغة . وأما محافظته على العبارات الفصيحة ، والمعاني البليغة المليحة ، فذلك أمر قد وقع عليه الاجماع ، ولم يقع فيه اختلاف ولا نزاع ، ولقد لزمت مطالعته ، وداومت مراجعته .
وأنا الآن ألقيه في مجلس درسي التفسيري بالجامع الأموي وغالب تحقيقه وقع في أوائله . وأما النصف الثاني فغالبه عبارة البيضاوي ، ولا يزيد غالبا إلّا بعض النكت المتعلّقة بالبلاغة .
ولقد تفرّد بشيء في تفسيره جزاه اللّه خير الجزاء ، وهو أنه يتقيّد غالبا باعتماد الوجه الذي يناسب سياق النظم الكريم وسباقه ، ويسلك غالبا الإيضاح لمعاني كلام اللّه عزّ وجلّ .
وحاصل الأمر أنّه كان نزهة ( 66 جهنىّ ) زمانه ، وابتهاج عصره وأوانه .
افتخرت به سلاطين آل عثمان ، واعتقدوا وجوده توريدا في وجنة الدوران ، وابتساما في ثغور الزمان .
وكان مع ذلك محافظا على الورع والديانة ، مثابرا على التقوى والأمانة .
هامش
( 1 ) ه ، ب « حكمة »