وولى أيضا قضاء الشّرقيّة في أيّام الواثق ، ولمّا وليها ظهرت عفّته وديانته لأهل بغداذ ، وكان فيه كبر شديد .
وكتب إليه المعتصم « 1 » في أن يمتحن النّاس في القول بخلق القرآن ، وكان يضبط نفسه ، فتقدّمت إليه / امرأة ، فقالت : إن زوجي لا يقول بقول أمير المؤمنين في القرآن ، ففرّق بيني وبينه . فصاح عليها وطردها ، فلمّا كان في سنة سبع وثلاثين في جمادى عزله المتوكّل ، وأمر أن يكشف عنه ليفضحه بسبب ما امتحن النّاس به في القول بخلق القرآن ، فكشف عنه ، فما انكشف عليه أنّه أخذ حبّة واحدة .
وروى « 1 » أنّه لمّا تولّى قضاء الشّرقيّة كثر من يطالبه بفكّ الحجر ، فدعا بالأمناء ، فقال لهم : من كان في يده منكم مال ليتيم فليشتر له مرّا « 2 » وزنبيلا يكون قبله ، وليدفع إليه ماله ، فإن أتلفه عمل بالمرّ والزّنبيل . « 3 »
وذكره ابن عساكر في « تاريخ دمشق » ، وقال : قرأت في كتاب علي بن الحسين ابن محمد الكاتب ، حدّثنا محمد بن خلف ، حدّثنا وكيع ، قال : كان الخلنجىّ القاضي ، واسمه عبد اللّه بن محمد ، ابن أخت علويّة المغنّى ، وكان تيّاها صلفا ، فتقلّد في خلافة الأمين قضاء الشّرقيّة ، فكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين المسجد ، فيستند إليها بجميع جسده ولا يتحرّك ، فإذا تقدّم إليه الخصمان ، أقبل عليهما بجميع جسده ، وترك الاستناد ، حتى يفصل بينهما ، ثم يعود إلى حاله ، فعمد بعض المجّان إلى رقعة من الرّقاع التي يكتب فيها الدّعاوى ، وألصقها في موضع دبيته « 4 » ، وطلاها بدبق « 5 » ، وجاء الخلنجىّ فجلس كما كان يجلس ، فالتصقت دبيته بالدّبق ، وتمكّن منها ، فلما تقدّم إليه الخصوم ، وأقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل ، انكشف رأسه ، وبقيت الدبية في موضعها مصلوبة ، وقام الخلنجىّ مغضبا ، وعلم أنّها حيلة وقعت عليه ، فغطّى رأسه بطيلسانه ، وقام فانصرف وتركها مكانها ، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها .
وقال بعض شعراء ذلك العصر فيه :
هامش
( 1 ) القصة في : تاريخ بغداد 10 / 74 .
( 2 ) المر : الحبل والمسحاة .
( 3 ) الزنبيل : الجراب ، وقيل : الوعاء يحمل فيه .
( 4 ) كذا ، ولم أعرفه .
( 5 ) الدبق : غراء يصاد به الطير .