وفي رواية أخرى ، عن محمد بن أعين ، حمل أبو جميل سنّين من خارج حصن مرو إلى عبد اللّه بن المبارك ، فوضعهما عبد اللّه بين يديه ، ودعا بالميزان فوزنهما أو وزن أحدهما ، فإذا فيه منوان وزيادة في كلّ سنّ ، فوضعه عبد اللّه ، وقال فيه شعرا « 1 » :
أتيت بسنّين قد رمّتا * من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا
على وزن منّين إحداهما * يقلّ به الكفّ شيئا رزينا « 2 »
ثلاثين أخرى على قدرها * تباركت يا أحسن الخالقينا « 3 »
فما ذا يقوم لأفواهها * وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكّرت أجسامهم * تقاصرت بالنّفس حتى تهونا « 4 »
وكلّ على ذاك لاقى الرّدى * فبادوا جميعا فهم خامدونا
ومن شعر عبد اللّه أيضا قوله :
أيا ربّ يا ذا العرش أنت رحيم * وأنت بما تخفى الصّدور عليم
فيا ربّ هب لي منك حلما فإنّنى * أرى الحلم لم يندم عليه حليم
ويا ربّ هب لي منك عزما على التّقى * أقيم به في الناس حيث أقيم
ألا إنّ تقوى اللّه أكرم نسبة * يسامى بها عند الفخار كريم
/ إذا أنت نافست الرجال على التّقى * خرجت من الدنيا وأنت سليم
أراك امرءا ترجو من اللّه عفوه * وأنت على ما لا يحبّ مقيم
وإنّ امرءا لا ترتجى الناس عفوه * ولم يأمنوا منه الأذى للئيم
وعن عمر بن عقبة ، عن ابن المبارك ، أنّه كان يقول في دعائه : اللهمّ إنّى أسألك الشهادة في غير جهد بليّة ، ولا تبديل نيّة . وقد روى أنّ اللّه تعالى قد منّ عليه بإجابة دعوته ، فأماته شهيدا غريبا في غير تربته ، من غير جهد في الشهادة ، ولا تبديل في الإرادة .
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء 8 / 368 .
( 2 ) في السير : « على وزن منوين » .
والمن : رطلان ، كالمنا . القاموس ( م ن ن ) .
( 3 ) في السير : « ثلاثون سنا » .
( 4 ) في السير : « تصاغرت بالنفس حتى تهونا » .