تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
فقط ، بل له ولما حواه من الفضائل الكاملة ، والفواضل الشاملة ، لما أنعم اللّه تعالى به عليه من العقل ، واللطف ، والرفق ، والشفقة ، والرحمة ، وحسن التدبير ، والفكر الثّاقب ، والرأي الصائب ، ولكونه ممّن يستحقّ أن يوصف بقول أبى الطيب المتنبّى ، بل هو أحقّ به ممن قيل في حقّه « 1 » :
قاض إذا اشتبه الأمران عن له * رأى يفرّق بين الماء واللّبن « 2 »
ولما خرج متوجّها إلى مدينة أدرنة المذكورة ، خرج معه لتوديعه وتشييعه من أرباب الدولة ، وأكابر الديار الروميّة ، ومواليها ، وعلمائها ، وفضلائها ، ما لا يعدّ كثرة ، وكان من جملتهم قاضيا القضاة ، المعروف كل منهما في الدولة العثمانية بقاضى العسكر ، أحدهما قاضى العسكر بولاية روميلى ، والآخر بولاية أناطولى . ولما وصل بالصحة والسلامة إلى مدينة أدرنة ، فرح أهلها بقدومه ، واستقبلوه إلى مسافة بعيدة عن المدينة ، سرورا بذلك لما كانوا يسمعونه عنه ، من اتّصافه بالأخلاق الحميدة ، والآراء السديدة ، ولما بلغهم عنه أيضا من الثّقات ، أنه يقول : لا بد أن أسلك طريق العدل / والإنصاف ، وأساعد الفقراء والمساكين بحسب الطاقة ، ولا أدع « 3 » أحدا من أتباعى يمدّ يده إلى شئ من أموال الناس . وغير ذلك من الوعود الجميلة ، والنية الصالحة ، وقد أنجز وعده ، وحفظ عهده ، وسار فيهم سيرة شريحيّة « 4 » ، بفطنة إياسيّة « 5 » ، حتى فاق الأقران ، وأربى في سائر الفضائل على غالب من تقدّمه في الزمان . ولما سافر السلطان الغازي محمد خان ، نصره اللّه تعالى ، إلى بلاد الكفار الفجار ، بولاية
هامش
( 1 ) ديوان أبى الطيب 157 ، من قصيدة يمدح بها أبا عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن محمد الخصيبي ، قاضى أنطاكية . ( 2 ) في الديوان : « إذا التبس الأمران . . . يخلص بين الماء واللبن » . ( 3 ) في الأصول : « يدع » . ( 4 ) في ط : « سريجية » ، والمثبت في : س ، ن . وهو يشير إلى القاضي شريح بن الحارث بن قيس الكندي ، المتوفى سنة ثمان وسبعين ، وكان له قضاء الكوفة في أيام عمر وعثمان وعلى ومعاوية ، وكان مأمونا فيه ، ثقة في الحديث . حلية الأولياء 4 / 132 ، شذرات الذهب 1 / 85 ، وفيات الأعيان 2 / 167 . ( 5 ) يشير إلى القاضي إياس بن معاوية بن قرة المزنى ، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة . كان قاضى البصرة ، ويضرب به المثل في الذكاء والزكن . حلية الأولياء 3 / 123 ، ثمار القلوب 92 - 94 ، وفيات الأعيان 1 / 254 - 257 .