ثم أكبّ على الاشتغال ليلا ونهارا ، وصباحا / ومساء ، ودأب ، وحصّل ، إلى أن صار بالفضائل مشهورا ، وبالفواضل مشكورا .
وتصرّف في المناصب السّنيّة ، والمدارس العليّة ، منها تدريس المدرسة الكبرى ، التي تنسب إلى المرحومة اسمى خان ، والدة المرحوم المغفور له - إن شاء اللّه تعالى - السلطان سليم الثاني ، وهي من المدارس التي جرت العادة بنقل مدرّسها إلى إحدى المدارس الثّمان ، ومنها إلى تدريس إحدى المدارس السّليمانيّة ، بمدينة قسطنطينيّة ، وكذلك وقع لصاحب الترجمة ، وأقام في المدرسة السليمانية مدة طويلة ، لا ينقطع عن إلقاء الدروس بها يوما ، ممّا جرت به العادة ، وأما الاشتغال في منزله الكريم ، والمطالعة ، والمراجعة ، والمباحثة مع الأصحاب والإخوان والمتردّدين إليه ، فإنه لا يفتر ولا يملّ ، ولا يقدّم على ذلك أمرا مهمّا ، ولا حاجة من حوائج الدنيا .
وله في العربية ، والفارسية ، والتركية ، يد طولى .
وأما سجيّته الشعرية ، ونظمه في القصائد الطّنّانة « 1 » ، وغوصه على استخراج الجواهر المضيّة ، من أصداف الألفاظ الدّرّيّة ، فإنه يبهر العقول ، ويحيّر الألباب ، ويأتي بالعجب العجاب ، والحال أنه ما أتهم ولا أنجد ، ولا غوّر ولا أصعد ، ولا عاشر الأعراب في بواديها ، ولا قارضهم الأشعار في حاضرها ولا باديها ، ولكنه فضل اللّه تعالى يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم .
وإن شاء اللّه تعالى ، نسوق في آخر الترجمة من أشعاره وإنشائه ، ما يفوق الماء الزّلال ، ويعدّ من السحر الحلال « 2 » .
ثم بعد أن أقام في الاشتغال بالمدرسة المذكورة ، ما تقدم ذكره من المدة المزبورة ، وجّه له قضاء أدرنة المحروسة ، لتى تعدّ من جملة أمّهات المدن ، وكراسىّ السلاطين من آل عثمان ، أدام اللّه تعالى دولتهم إلى آخر الزمان ، في أول شهر من شهور سنة أربع بعد الألف ، أحسن اللّه ختامها ، وهذه الرّعاية التامّة ، بهذه الولاية من التدريس المذكور ، ما حصلت لأحد من أبناء الموالى في هذه الأيام ، ولم يكن إعطاءهم له ذلك لأجل خاطر والده شيخ الإسلام
هامش
( 1 ) في ط ، ن : « الطنانية » ، والمثبت في : س .
( 2 ) لم يف المصنف ، رحمه اللّه ، بوعده هذا ، وتجد شعره في : خلاصة الأثر ، ونفحة الريحانة .