تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
قال أنس بن مالك ، رضى اللّه تعالى عنه : خدمته نحوا من عشر سنين ، فو اللّه ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلّا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له ، / وما قال لي أفّ قطّ ، ولا قال لشئ فعلته : لم فعلت كذا . ولا لشئ لم أفعله : ألا فعلت كذا . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في سفر ، فأمر بإصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول اللّه ، علىّ ذبحها . وقال آخر : علىّ سلخها . وقال آخر : علىّ طبخها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « وعلىّ جمع الحطب » . فقالوا : يا رسول اللّه ، نحن نكفيك . فقال : « قد علمت أنّكم تكفوننى ، ولكن أكره أن أتميّز عليكم ؛ فإنّ اللّه يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه » . وقام فجمع الحطب . وكان في سفر ، فنزل إلى الصّلاة ، ثم كرّ راجعا . فقيل : يا رسول اللّه ، أين تريد ؟ فقال : « أعقل ناقتي » . فقالوا : نحن نعقلها . قال : « لا يستعن أحدكم بالنّاس ولو في قضمة من سواك » . وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطى كلّ أحد من جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم صلّى اللّه عليه وسلم حتى يقوم الذي جلس إليه ، إلا أن يستعجله أمر ، فيستأذنه . ولا يقابل أحدا بما يكره ، ولا يجزى السّيّئة بمثلها ، بل يعفو ويصفح . وكان يعود المرضى ، ويحبّ المساكين ، ويجالسهم ، ويشهد جنائزهم ، ولا يحقّر فقيرا لفقره ، ولا يهاب ملكا لملكه .