أقدّم في كل من البابين الأوّلين من اشتهر بلقبه ، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم ، ثم من له اسم منهما أذكره باختصار ، كما فعلته في الكنى .
وأمّا الأنساب فأقدّم فيها من لا يعرف إلّا بالنسبة ولم يذكر له في الكتاب ترجمة ، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة ، فقد أذكره في نسبته ، وقد لا أذكره ، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى الموصل أو الشام أو حماة مثلا في تلك النسبة ، ممّا يطول شرحه ، ويملّ ذكره ، بلا كبير فائدة .
* * * هذا ولمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي أظهر هذا الدّين القويم ، وأنار هذا الصّراط المستقيم ، وكان كلّ فضل منسوبا إلى فضله ، وكلّ علم مستفادا من علمه ، ولولاه ما كان عالم يذكر ، ولا فاضل علمه ينشر ، وكانت سائر الأفاضل ، والعلماء الأماثل ، والأولياء المخلصين ، والصّلحاء السّابقين ، يغترفون من ذلك البحر ، ويستنيرون بذلك البدر .
وكانوا كما قال صاحب البردة ، رحمه اللّه تعالى « 1 » :
وكلّهم من رسول اللّه ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم
تعيّن أن نبدأ بذكر شئ يسير من سيرته الشريفة ، وأوصافه المنيفة ، / لتكون لهذا الكتاب مشرّفة ، وعلى غيره من الطّبقات التي خلت عنها مفضّلة ، ويكون لهم في الذّكر إماما ، كما كان لهم في الدّين هاديا وهماما .
* * * ثمّ نتلوه بذكر ترجمة الإمام الأعظم ، والحبر البحر المكرّم ، أحد أفراد الزمان ، وإنسان عين الأعيان ، الذي سارت بفضله الرّكبان ، وعمّت فواضله سائر البلدان ، واعترف بمعروفه الشامل كلّ قاص ودان ، وأجمعت الأمة ، أنه قدوة الأئمّة ، وهو أبو حنيفة النعمان ، رضى اللّه تعالى عنه وأرضاه ، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه ، وفي ذلك المحلّ المقدّس جمعنا وإيّاه « 2 » .
هامش
( 1 ) بردة المديح 5 .
( 2 ) هكذا ورد النص في ص على هذه الصورة من السعة ، وجاء في ط ، ن : « أبي حنيفة النعمان ، جمعنا اللّه وإياه في أعلى طبقات الجنان » .