تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
كلامه ، على لغة أهل بلده وهي غير شاذّة / ، ولم يدوّنها في كتاب من كتبه ، يكون لحّانا قليل العربيّة . هذا الإمام الشافعىّ رحمه اللّه تعالى ، مع كونه ممّن يحتجّ بقوله في اللغة ، قال في بعض تآليفه : « ماء عذب أو مالح » ، فقال : « مالح » ولم يقل « ملح » وهي لغة شاذّة ، أنكرها أكثر أهل اللغة ، ولم يقل أحد في حقّه بسبب ذلك ، إنه كان قليل العربيّة واللغة ، ولكن جرى الأمر في ذلك على قول الشاعر « 1 » :
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة * كما أنّ عين السّخط تبدى المساويا
وقد ذكر بعض من صنّف في مناقب الإمام الأعظم ، في حقّ الإمام الشافعىّ من مثل هذه المؤاخذات شيئا كثيرا ، أضربنا عن ذكره ؛ لعدم الفائدة ، ولأنّ الأليق بكلّ إنسان أن يكفّ لسانه عن التكلّم في حقّ مثل هؤلاء الأئمة ، الذين اتّفق الناس على علمهم ، وصلاحهم ، وعلوّ مقامهم ، إلّا بخير ؛ فإنه قلّما أطلق أحد لسانه في حق السّلف ، إلّا وعجّلت له النّكبة في الدنيا قبل الآخرة ، عصمنا اللّه من ذلك بمنّه وكرمه . * * * ومن جملة التّشنيعات « 2 » في حقّ الإمام ، رضى اللّه تعالى عنه « 3 » ، قول بعض الحسّاد : إنه كان قليل الرّواية ، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار ، كغيره من مجتهدي عصره ، ومن تأخّر بقليل عنهم . والجواب عن ذلك هو المنع ؛ بدليل أنّ أبا حنيفة ، رضى اللّه تعالى عنه ، كان أكثر الناس تفريعا للأحكام ، ووضعا للمسائل ، وكثرة الفروع تدلّ على كثرة الأصول ، وصحّتها على صحّتها ، وقد سلّموا أن أبا حنيفة أقوى في القياس من غيره ، وأعرف به من سواه ، وإنما يقاس على الكتاب والأثر ، وكثرة قياسه في المسائل تدلّ على كثرة اطّلاعه على الآثار ، وكثرة إحاطته بها . وإنما قلّت الرّواية عنه لما ذكرناه سابقا ، من كونه كان يشترط في جواز الرّواية حفظ الرّاوى لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به ، ولأنه صاحب مذهب ، نصب نفسه
هامش
( 1 ) هذا البيت لعبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ، وهو في العقد الفريد 2 / 348 . ( 2 ) انظر تاريخ بغداد 13 / 420 . ( 3 ) ساقط من : ص ، وهو في : ط ، ن .