وعندما قرب أوان وفاته رأى في منامه كأنه سقط في حفرة دولاب ماء ووضعت عليه اللبنات كما في القبر فأصبح محموما وهو يخبر أن تلك الحفرة ما هي إلا القبر / وأنه يموت بتلك الحمى فكان الأمر كما قال ، ولم يزل عند الاحتضار يذكر اللّه تعالى إلى أن خفي صوته شيئا فشيئا ، وفارق الدنيا ، وكانت وفاته في المحرم سنة تسع مائة ، ودفن بتربته التي أنشأها خارج باب المقام . واختلق عليه بعض الحساد أنه سماها إرم ذات العماد « 1 » ورفع ذلك إلى مسامع السلطان قايتباي حتى كانت منه المصادرة لتوهم أن له الأموال الكثيرة الوافرة .
وقد بلغني أنه كان مع ماله من الفضائل العلمية والمآثر العلية لسنا [ بليغا ] « 2 » جهوري الصوت حسن التلاوة حسن النية معمور الطوية معتقدا « 3 » ، معتقدا ، لسان المجالس ، وترجمان المحافل ، مقدام كل خطب ، وحلّال كل أمر صعب ، منور الشيبة ، وافر الهيبة ، مخفوض الجناح ، ومائلا إلى أرباب الصلاح ، يقول الحق ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، كما هو الأحق ، حتى إنه لما كانت سنة إحدى وثمانين وثمان مائة ، وكان كافل حلب فيها قانصوه اليحياوي « 4 » ، حضر جدي إلى الجامع الأعظم ليلة الثلاثاء لرؤية فكان في منزلة الهلال قتر فأمر بتعليق القناديل كما هو العادة فأصبح الناس صياما لم يختلف في الصوم « 5 » رجلان ، فلما كان يوم الثلاثين على أن أول رمضان الثلاثاء وهو يوم الأربعاء دخل الفخر عثمان الكردي « 6 » إلى الكافل وقال له : إن
هامش
( 1 ) إرم ذات العماد : ذكرها القرآن الكريم فقال :« إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ »هي إرم عاد ، واختلف فيها فمنهم من جعلها مدينة ، ومن قال هي أرض كانت واندرست ، ومنهم من قال هي الإسكندرية ، وأكثرهم يقول هي دمشق وقيل باليمن ويروون أن شداد بن عاد بناها على صفة الجنة في أشجارها وأنهارها وهي :« إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ » .انظر : مراصد الاطلاع 1 / 59 .
( 2 ) من : سو .
( 3 ) ساقطة في : م .
( 4 ) سبق التعريف به في : ج 1 / 732 .
( 5 ) في م : القوم .
( 6 ) انظر الترجمة : رقم « 291 » .