ومن غير المعقول ، أن يتخلى حمزة عن متابعة إنسان يعرف فيه كل هذه
الكمالات ، والصفات الحميدة ، والسجايا الكريمة .
وقد طوى في صدره هذا الإعجاب والإكبار ، متحينا الفرصة المواتية لإظهار
شعوره الفياض ، ويطلق عنان الثورة المكبوتة بين جوانحه . . .
وجاء اليوم الموعود . . . ليخرج المارد من مكنون صدره .
خرج حمزة من داره ، متوشحا قوسه ، ميمما وجهه شطر الفلاة يمارس هوايته
المحببة ، ورياضته الأثيرة - الصيد والقنص - وكان ذو مهارة فائقة ، وقضى هناك
بعض يومه ، ولما عاد من قنصه ، ذهب كعادته إلى الكعبة المشرفة ليطوف حولها
قبل أن يقفل راجعا إلى داره . . .
وقريبا من داره وهو عائد ، التقى بخادمة لعبد الله بن جدعان ، ولم تكد تبصره
حتى قالت له :
يا أبا عمارة ، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمدا آنفا من أبي الحكم ابن هشام :
وجده وحده هنا جالسا ، فآذاه ، وسبه ، وبلغ منه ما يكره . ولم يجبه محمد بشئ .
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
واستمع حمزة إلى قولها ، وصغى جيدا ، وقلبه يغلي كالمرجل ، وثارت كوامن
نفسه ، ثم أطرق لحظة وكانت الحاسمة ، ومد يده إلى قوسه فثبتها فوق كتفه ، ثم انطلق
في خطى سريعة ثابتة حازمة ، صوب الكعبة ، راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل ،
وما كاد يبلغ الكعبة حتى بصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش .
وفي هدوء رهيب ، تقدم حمزة من أبي جهل ، ثم استل قوسه وهوى به على
رأس أبي جهل فشجه وأدماه ، وقبل أن يفيق الجالسون من هول الصدمة ، صاح
حمزة بأبي جهل :
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 14
مساهمون: حسين الشاكري
ص١٤