الحفظ ، وكرم النفس ، والتدين ، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه ، ثم قال : أنشدني لنفسه : [ من الوافر ]
لئن أصبحت مرتحلا بجسمي * فروحي عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى * له سأل المعاينة الكليم
وروى الحافظ الحميدي له أيضا : [ من الوافر ]
أقمنا ساعة ثم ارتحلنا * وما يغني المشوق وقوف ساعة
كأن الشمل لم يك ذا اجتماع * إذا ما شتّت البين اجتماعه ) « 1 »
وكان عاملا بعلمه ، زاهدا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك والممالك ، فإن والده كان وزير أبي عامر المنصور في بلاد المغرب ، وكان من أهل العلم والأدب والخير ، قال ولده المذكور « 2 » : أنشدني والدي في بعض وصاياه لي : [ من الطويل ]
إذا شئت أن تحيى غنيا فلا تكن * على حالة إلا رضيت بدونها
ومن تصانيف أبي محمد المذكور كتاب « الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع » أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، وكتاب « إظهار تبديل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك بما لا يحتمله التأويل » وهو شيء لم يسبق إليه .
ومع فضائله المذكورة كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد أحد يسلم من لسانه ، حتى قال أبو العباس ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين ، فنفرت عنه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالئوا على بغضه ، وردوا قوله ، وأجمعوا على تضليله ، وشنعوا عليه ، وحذروا سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه ، فأقصته الملوك وشردوه عن بلادهم حتى انتهى إلى بادية ، فمات بها في سنة ست وخمسين وأربع مائة .
هامش
( 1 ) « جذوة المقتبس » ( ص 309 ) إلا البيتين الأخيرين فلم نجدهما فيه .
( 2 ) يعني صاحب الترجمة .