تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
على وسطي ، ونصفها على كتفي ، وكان عليها مكتوب : يا رب ؛ سلم وبلغ برحمتك يا أرحم الراحمين ، وكنت إذا غلبني الجوع ، ووجدت قوما يأكلون . . وقفت انظر إليهم ، فيدفعون إلي كسرة ، فأقنع بها ذلك اليوم ، ووصلت إلى مكة ، فغسلت العباءة وأحرمت بها ، وسألت أحد بني شيبة أن يدخلني البيت ، وعرفته فقري ، فأدخلني بعد خروج الناس ، وأغلق الباب ، فقلت : اللهم ؛ إنك بعلمك غني عن إعلامي بحالي ، اللهم ؛ ارزقني معيشة أستغني بها عن سؤال الناس ، فسمعت قائلا يقول من ورائي : اللهم ؛ إنه ما يحسن أن يدعوك ، اللهم ؛ ارزقه عيشا بلا معيشة ، فالتفت ، فلم أر أحدا ، فقلت : هذا الخضر أو أحد الملائكة الكرام على الجميع السلام ، فأعدت القول ، فأعاد الدعاء ، فأعدت فأعاد ، ثلاث مرات ، وعدت إلى بغداد ، وكان الخليفة قد حرّم جارية من جواريه ، وأراد إخراجها من الدار ، فكره ذلك ؛ إشفاقا عليها ، قال محمد بن السني : فقال الخليفة : اطلبوا رجلا مستورا يصلح أن يزوج هذه الجارية ، فقال بعض الحاضرين : قد وصل ابن سمعون من الحج ، وهو يصلح لها ، فاستصوب الجماعة قوله ، وتقدم بإحضاره وإحضار الشهود ، فأحضروا ، وزوج بالجارية ، ونقل معها من المال والثياب والجواهر ما يجمل بالملوك . وكان ابن سمعون يجلس على الكرسي للوعظ فيقول : أيها الناس ؛ خرجت حاجا وكان من حالي كذا وكذا ، وشرح حاله جميعه ، وأنا اليوم عليّ من الثياب ما ترون ، وطيبي ما تعرفون ، ولو وطئت على العتبة . . تألمت من الدلال ، ونفسي تلك . وروى الخطيب البغدادي عنه أنه خرج من مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم قاصدا بيت المقدس ، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا ، فلما وصل إلى بيت المقدس . . طالبته نفسه بأكل الرطب ، فأقبل عليها باللائمة وقال لها : من أين لنا في هذا الموضع رطب ؟ ! فلما كان وقت الإفطار . . عمد إلى التمر ليأكل منه ، فوجده رطبا صيحانيا ، فلم يأكل منه شيئا ، ثم عاد إليه من الغد ، فوجده تمرا على حاله ، فأكل منه « 1 » . أدرك الشيخ الكبير أبا بكر الشبلي وروى عنه ، وجماعة من جلة المشايخ ، وروى عن أبي بكر بن داود وغيره ، وأملى عدة مجالس . وكان له حسن الوعظ ، وحلاوة الإشارة ، ولطف العبارة ، ومن كلامه : رأيت المعاصي نذالة ، فتركتها مروءة ، فاستحالت ديانة .
هامش
( 1 ) « تاريخ بغداد » ( 1 / 291 ) .