أبوه من مياسير تجّارها ، فنشأ في كفالته ، وحفظ القرآن ، وكتبا عشرة منها « الحاوي » وارتحل إلى حلب ، ثم إلى القاهرة ، فقرأ على القاياتي في « العضد » وعلى العلم البلقيني في الفقه ، وعلى غيرهما ، ثم عاد لبلده ، ثم سافر إلى هراة ، فلزم عالمها ملّا محمد بن موسى ، تلميذ يوسف الحلّاج تلميذ السيّد ، حتى قرأ عليه « العضد » بكماله ، وسمع « شرح المواقف » و « شرح الطّوالع » ، وأقام هناك خمسة أعوام إلى أن برع ، وعاد من العراق ، فحجّ ودخل القاهرة بعد أن اقتطع بمكان يقال له : وادي السّباع « 1 » ، وأخذ جميع ما معه من كتب وغيرها ، فألقيت الكتب بالبريّة لعدم التفاتهم إليها ، ولكنّه لم يجد محملا لها فتركها ، ونجا بنفسه ، مع أخذ يسير ممّا أمكنه ، وتأسّف كثيرا بسببها / حتى إنّه صار كلّما تذكّر يتألّم .
وأنشد لنفسه [ من السريع ]
يا عين لا تجزعي ممّا جرى * وارضي بتقدير العزيز الغفور
واتلي على الطّاغين في ظلمهم * ألا إلى اللّه تصير الأمور « 2 »
وتصدّى للإقراء بالجامع الأزهر ، وأخذ النّاس عنه طبقة بعد طبقة ، بل أخذ عنه طبقة ثالثة ، وهو لا يملّ ولا يفتر ، وكثرت تلامذته من كلّ مذهب ، وصار شيخ العصر بلا مدافع مع الدّيانة والأمانة والتّواضع والتهجّد والانجماع عن أكثر بني الدّنيا ، وسلامة الصّدر والرّغبة في زيارة مشاهد الصّالحين ، وملازمة قبر اللّيث في كلّ جمعة غالبا .
مات في سنة إحدى وثمانين ودفن بتربة بالقرب من ضريح الشّافعي . انتهى ملخصا .
هامش
( 1 ) هو اسم لعدد من المواضع . انظر معجم البلدان : 5 / 343 .
( 2 ) اقتباس لقوله تعالى :صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[ الشورى : 42 / 53 ] .