بالأشرفية بر سباي أوّل ما فتحت ، ثم شيخ سعيد السّعداء إلى أن خطبه الظّاهر جقمق لقضاء الشّافعية بعد صرف شيخنا .
فباشره بعفّة ونزاهة ، وتثبّت في النّواب بحيث إنّه لم يأذن إلّا لقليل منهم ، وباشر بعمارة الأوقاف والنّظر في مصالحها والصّرف لمستحقّيها ، ثم استقرّ به في تدريس الفقه بالشّيخونيّة والصّلاحيّة المجاورة للشّافعي مع النّظر عليها بعد موت الونائي ، ثم انتزع له مشيخة البيبرسية ونظرها من شيخنا ، ولم يحمد العقلاء إجابته فيها ، مع أنّ ذلك لم يكن بمانع له عن الثّناء عليه في « إنبائه » بعد موته ، وندم فيما بلغني على قبول الولاية ، وما جرّت إليه ، وكاد أن يتزحزح عن السّلطان ، فلم يلبث أن مات في المحرّم سنة خمسين ، وصلّى عليه في سبيل المؤمني في مشهد فيه السّلطان والقضاة والعلماء والأعيان ، وخلق تقدّمهم أمير المؤمنين ، ثم دفن بتربة سعيد السّعداء ، وعظم الأسف على فقده ، ورثاه غير واحد كيحيى بن العطّار وأوّلها : [ من الوافر ]
حقيق أنت بالذّكر الجميل * لبعدك في زمانك عن مثيل
طلعت على البريّة شمس علم * فلا عجب مصيرك للأفول
وكان إماما عالما علّامة ، غاية في التّحقيق وجودة الفكر والتّدقيق ، بعد صيته ، وشاع ذكره ، وصار شيخ الفنون بلا مدافعة ، ومن به تقرّ العيون بعد النّظر والمطالعة ، لا يمتري في تحقيقه وصحّة فكره ممتر ، ولا يتوقّف في ذلك إلّا حاسد ومفتر .
تصدّى للإقراء زمانا طويلا ، فانتفع به خلق ، وتزاحم النّاس عليه ، وسائر أرباب الفنون والطّوائف والمذاهب ، وانتشرت تلامذته ، وصاروا رؤساء في حياته ، وحدّث باليسير ، كلّ ذلك مع الدّين والعقل والتّواضع والتقشّف والحلم والاحتمال والمحاسن الوافرة ، وكتب على « المنهاج » قطعا متفرّقة ، كثر اعتناؤه فيها بدفع كلام الإسنوي ، وعمل ذيلا ونكتا على « المهمّات » .
وقد بسطت ترجمته في « ذيل القضاة » / و « المعجم » . انتهى ملخصا .