إنّ العزاء إذا عزته جائحة * ذلت عريكته فانقاد مجنوبا
فإن قرنت إليه العزم أيّده * حتى يعود لديه الحزن مقلوبا
فارم الأسى بالأسى تطفئ مواقعها * جمرا خلال ضلوع الصدر مشبوبا
من صاحب الدهر لم يعدم مجلجلة * يظلّ منها طوال العيش منكوبا
إنّ الرزيّة لا وفر يدعدعها * أيدي الحوادث تشتيتا وتشذيبا
ولا تفرّق ألاف يقوت بهم * بين يغادر حبل الوصل مقضوبا
لكن فقدان من أضحى بمصرعه * نور الهدى وبهاء العلم مسلوبا
أودى أبو جعفر والعلم فاصطحبا * أعظم بذا صاحبا أو ذاك مصحوبا
أهدى الردى للثرى إذ نال مهجته * نجما على من يعادي الحقّ مصبوبا
إنّ المنية لم تتلف به رجلا * بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه * فالآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغرّ التي جعلت * للعلم نورا وللتقوى محاريبا
لا ينسري الدهر عن شبه له أبدا * ما استوقف الحج بالأنصاب أركوبا
أوفى بعهد وأورى عند مظلمة * وندا وآكد إبراما وتأديبا
منه وأرصن حلما عند مزعجة * تغادر القلبيّ الذهن منجوبا
إذا انتضى الرأي في إيضاح مشكلة * أعاد منهجها المطموس ملحوبا
لا يعزب الحلم في عتب وفي نزق * ولا يجرع ذا الزلّات تثريبا
لا يولج اللغو والعوراء مسمعه * ولا تعارف ما يعشيه تأنيبا
إن قال قاد زمام الصدق منطقه * أو آثر الصمت أولى النفس تهييبا
لقلبه ناظرا تقوى سما بهما * فأيقظ الفكر ترغيبا وترهيبا
تجلو مواعظه رين القلوب كما * يجلو ضياء سنا الصبح الغياهيبا
سيّان ظاهره البادي وباطنه * فلا تراه على العلّات محروبا
لا يأمن العجز والتقصير مادحه * ولا يخاف على الإطناب تكذيبا
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 578
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٥٧٨