تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
بين الذّكرين حتى قرن بينهما ، وقايست بين قوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
[ سورة التكوير ، الآية : 19 - 21 ] وبين قوله :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
[ سورة التكوير ، الآية : 22 ] فطرحت الكشّاف من يدي ، وأخرجته من خلدي ، ونويت أن لا أقرأه ، ولا انظر فيه إن شاء الله تعالى ، وكان ذلك يوم البون من إقرائي لي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وسبعمائة ؛ وذلك لأني أحبّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) وأجلّه بحسب ما أوصى الله من محبته وإجلاله ، وامتنعت من هذه الموازنة والمقايسة التي قالها الزمخشريّ : ذهب إلى أنّ الملائكة أفضل من البشر ، كما تقول المعتزلة . أما كان هذا الرجل يستحيي من النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) أن يذكر هذه المقايسة بينه وبين جبريل بهذه العبارة ؟ والذي أقوله أنّ كتاب الله المبين لا مراء فيه ، وفيه :
وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا
[ سورة النور ، الآية : 54 ]
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ سورة الأحزاب الآية 21 ]
قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
[ سورة النساء الآية 170 ] وغير ذلك مما القرآن طافح به وبتعظيمه . وأنا واحد من الناس ، كلّ ما أنا فيه من خير من أمور الدنيا والآخرة من الله تعالى بواسطة النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) وأعلم أنّ الله تعبّدني بذلك ، وقام جبريل عليه السلام يعلمه أكثر منا ، فما لنا والله حول في هذا المكان الضيق ، ولم يكلّفنا الله بذلك ، فحسب امرئ إذا لم يعترف بفضل الملك على البشر ، ولا البشر على الملك أن يتأدّب ، ويقف عند حدّه ، ويعظّم كلا منهما كما يجب له من التعظيم ، ويكفّ لسانه وحلقه عن فضول لا يعنيه ، ولم يكلّف به ، ولا بعلمه ، ويقدّر في نفسه أنّ هذين المخلوقين العظيمين حاضران وهو بين أيديهما ضئيل حقير ، والله تعالى رابعهم ، وهو عالم بما تخفي الصدور . نسأل الله العصمة والسلامة منه وكرمه . وجمهور أهل السّنّة على أنّ الإنسان أفضل من الملائكة ، وعلى أنّ محمدا ( صلّى اللّه عليه وسلم )