هجرتك لا قلى مني ولكن * رأيت بقاء ودّك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما * رأت أنّ المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى * حماما فهي تنظر من بعيد
فقال : الحائم الذي يدور حول الماء ، ولا يصل إليه ، ومعنى الشعر أنّ الأيائل تأكل الأفاعي في الصيف ، فتحمى وتلتهب لحرارتها ، فتطلب الماء ، فإذا رأته امتنعت من شربه وحامت عليه ، لأنّها لو شربته في تلك الحال ، فصادف الماء السّمّ الذي في أجوافها ، هلكت ، فلا تزال تمتنع من شرب الماء حتى يطول بها الزمان ، فيذهب ثوران السّمّ ، ثم تشربه فلا يضرّها ، فيقول هذا الشاعر : أنا في ترك وصالك مع شدة حاجتي إليه بمثابة الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدّة حاجتها إليه إبقاء على حياتها .
وأسند ابن النجّار في تاريخه من طريق أبي بكر محمد بن جعفر بن محمد البغدادي قال : أنشدنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد لنفسه « 1 » :
إذا كنت أرضى من الدهر أنّي * أنال الكفاف وعيشا سدادا
فإنّ الأمير وإنّ الوزير * وإنّ البخيل وإنّ الجوادا
لدي سواء فما لي أذلّ * لمن لا ينيل وأعطي القيادا
فمن قلّ ذلّ ومن جاد ساد * ومن ساد ذاد ومن ذاد قادا
ومن طلب النجح عند اللئيم * أدام الركوب وأجنى الجوادا
أعاد الكتاب وأبدى الخطاب * وأفنى قراطيسه والمدادا
وأقرب من كان من نجحه * كأبعد ما كان منه ابتعادا
ومن لم يكن منصفا في الإخاء * وإن زرت زار وإن عدت عادا
أبيت عليه أشدّ الإباء * وإن كان أعلى قريش عمادا
وقارضته الودّ وزنا بوزن * وكيلا بكيل على ما أرادا
هامش
( 1 ) لم ترد هذه القصيدة في ديوان ابن دريد .